لم تعُد صلاتُنا تَنهَانا عن الفحشاءِ والمنكر، لأنَّها ليست الصلاةُ التي يُريدُها الله ، فالصلاةُ التي أمرَ اللهُ بها، والتي يُريدُها ليست مُجرد أقوالٍ يلُوكُها اللسان، وحركاتٍ تُؤدِّيها الجوارحُ بلا تدبرٍ من عقلٍ ولا خشوعٍ من قلب ، ليست تلك التي ينقُرُها صاحِبها نقرَ الديكةِ، ويخطفُها خطفَ الغُرابِ، ويلتفتُ فيها التفاتَ الثعلبِ ، كلاَّ ، فالصلاةُ المقبولةُ هي التي تأخذُ حقَّها من التأملِ والخشيةِ، واستحضارِ عظمةِ المعبودِ جلَّ جلالهُ ، ذلك أنَّ القصدَ الأولُ من الصلاة - بل من العباداتِ كافةً - هو تذُكير الإنسانِ بربهِ الأعلى، الذي خلقَ فسوى، والذي قدَّرَ فهدى، (( إ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) ) (سورة طه:14) .
وعند أبي داودَ قال r: (( إنما فرضت الصلاة وأمرَ بالحجِ وأشعرت المناسكُ لإقامةِ ذكرِ الله تعالى ) ).
وكما أنَّهُ لابدَّ في الصلاةِ من حضورِ القلبِ فلا بدَّ من حضورِ العقل، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) ) (سورة النساء:34) .
وكم من مُصلٍ لا يعلمُ ما يقولُ في صلاتهِ وهو لم يشرب خمراً، وإنَّما أسكرهُ الجهلُ والغفلةُ، وحبُّ الدنيا، واتباعُ الهوى ، ويقولُ ابن عباسٍ- رضي الله عنهما-: ( ركعتان مقتصدتان في تفكرٍ خيرٌ من قيامِ ليلةٍ والقلبُ ساهٍ ) .
وهذه هي الصلاةُ التي كانت قُرةَ عينهِ r، والتي كانَ يحنُّ إليها، ويتلهفُ عليها، ويقولُ لبلال: (( أرحنا بها ) )0
لقد فقدنا لذةَ العبادةِ لأننَا تساهَلنَا بالذنوبِ، وخاصةً الصغائرِ، والاستهانةَ بالذنوبِ والتساهلَ مع النفسِ في مواقعتها يُؤدِّي إلى إدمانِها، وهذا بدورِهِ يُؤدِّي إلى قُسوةِ القلبِ، وانتكاستهِ، وتقاعُسِهِ عن الطاعاتِ، وميلهِ إلى الشهواتِ، وبالتالي يفقدُ لذةَ الطاعةِ وحلاوتها، والشوقِ إليها، قال تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) ) (سورة الشورى .30) وأيّ ُمصيبةٍ أعظمُ من فقدِ حلاوةِ الطاعةِ ، ولذةِ الإيمان ؟
سُئلَ وهيبُ بن الورد: (متى يفقدُ العبدُ لذةَ العبادةِ إذا وقعَ في المعصيةِ أو إذا فرغَ منها، فقالَ: يفقدُ لذةَ العبادةِ إذا همَّ بالمعصيةِ) وفقدنا لذةَ العبادةِ يومَ أن تنافسنا على الدنيا ، وقد قال r: (( فوا الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) )0
إنَّ الغرقَ في وحلِ المادِيَّة ومستنقعها، والتكالبَ على زينةِ الدنيا والانشغالَ بها، ذلك كلهُ يُؤدِّي إلى الغفلةِ عن العبادةِ، والبعدِ عن حقيقتها، والانحرافِ في مفهومها، ولأنَّ سلفنا أدركُوا ذلك، فقد ذَاقوا حلاوةَ الإيمانِ وتقلبُوا في جنةِ الطاعةِ، وبستانِ العبادة .
قال الحسن: (واللهِ لقد أدركتُ أقواماً كانتِ الدنيا أهونُ عليهم من الترابِ الذي تمشونَ عليه، ما يُبالُونَ أشرقتِ الدنيا أم غربت ، ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا ) 0
وفقدنا لذةَ العبادةِ يومَ أن غفلنا عن ذكرِ الله ، والذكرُ فيه حياةٌ للقلوبِ كما تحيي البلادُ إذا ما مسَّها المطرُ، ويومَ أن غفلنا عن الذكرِ قست قُلوبُنا، وفقدنا لذةَ العبادةِ، ودبَّ إلى بعضنا التقاعسُ والقعودُ وحبُّ الدعةِ والركود 0
ومن صورِ الغفلةِ عن الذكرِ، هجرُ قيامَ الليلِ، والتأخرُ عن الصلواتِ، وإهمالُ السننِ المُستحباتِ، وهجرُ كتابَ اللهِ عز وجل 0
وفقدنا لذةَ العبادةِ ، حينما أُغرقنا في المباحات، والإكثارُ منها قسوةً للقلبِ، وإضاعةً للوقتِ.
وصدقَ من قالَ: (لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتخسروا عند الموت كثيراً ) ، فبقدرِ الإفراطِ في المباحاتِ يكونُ التفريطُ في الواجباتِ والمسؤوليات ، قالت عائشة - رضي الله عنها-: ( أولَ بلاءٍ حدثَ في هذه الأمةِ بعد نبيها الشبعُ ، فإنَّ القومَ لما شبعت بطونهم، سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم ) 0
إن انشغالَ بعضُ شبابنا اليومَ بالمباحاتِ، من رحلاتٍ ترويحيةٍ، وإدمانٍ للرياضة، ومشاهدةٍ لبرامجِ الفيديو ومسرحياتهِ، واستماعٍ مستمر ٍللأناشيدِ وغير ذلك من صورِ الانشغالِ بالمباحاتِ، كلُّ ذلك أنشأ جيلاً ضعيفَ الصلةِ بالعبادةِ، لا يملكُ من مقوماتِ الالتزامِ إلاَّ العباداتِ المظهرية .
وفقدنا لذةَ العبادةِ يومَ أن فسدَ محلُّ الإيمانِ وهو القلبُ بدسيسةٍ باطنةٍ، وآفةٍ كامنةٍ فيه، تتربصُ ساعةََ غفلةٍ، فتتحركُ لتهوي بصاحبها، ولهذا قال r: (( إنَّ الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ) )0
قال ابنَ رجب- رحمه الله-: (وإنَّ خاتمةَ السُوءِ تكونُ بسببِ دسيسةٍ باطنةٍ للعبدِ، لا يطلعُ عليها الناسُ إمَّا من جهةِ عملٍ سيئٍ ونحو ذلك، فتلك الخصلةُ الخفيةُ تُوجبُ سوءَ الخاتمةِ عند الموت ) 0
إنَّ التثاقلَ إلى الأرضِ، وخُلطةِ أهلِ الزيغِ، من أكبرِ أسبابِ مرضِ القلبِ واعتلاله، وهبوطِ الإيمانِ ونقصانه، قال الإمامُ ابن القيم- رحمهُ الله-: (مثلُ القلبِ مثلُ الطائرِ كلَُّما علا بعُدَ عن الآفاتِ وكُلَّما نزل احتوشتهُ الآفات) ز
لقد فقدنا لذةَ العبادةِ يومَ أن مرضت القلوبُ بأدواءِ الرياءِ والعُجبِ، والغرورِ والحسدِ، والإعجابِ بالرأي .
والقلبُ مضغةٌ في الجسدِ إذا صلُحت صلُحَ الجسدُ كُله، وإذا فسدت فسدَ الجسدُ كُلُّه .
وأستغفرُ الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفرهُ إنَّه هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين، نبيُنا محمد r، أمَّا بعد:
أيُّها الأخوةُ في الله: وكذلك لم نعُد نشعرُ بلذةِ العبادةِ لأننَا صاحبنَا أهلَ الأهواءِ ، وأصحابَ اللغوِ، وأربابَ البطالةِ، دُون أن نُنكِرَ عليهم ، بل أنِسنا بمجالسهم، وألِفنا أحاديثهم، وكثرةِ المساسِ تُقللُ الإحساس 0
وفقدنا لذةَ العبادةِ يومَ أن أكثرنا من الضحكِ والمزاحِ، وكثرةَ الضحكِ تُميتُ القلبَ، والمزاحُ إذا تجاوزَ الحدُّ، أورثَ الضغينةَ، وسببَ الأحقادَ، وأضعفَ قوةَ القلبِ وصلتهِ بالله.
وقد قالَ بعضُ السلف: ( ما ضربَ اللهُ عبداً بعقوبةٍ أعظمُ من قسوةِ القلب ) ) 0
وفقدنا لذةَ العبادةِ حينما انشغلنا بمجالسِ اللغوِ واللهوِ، واستبدلنا الذي أدنى بالذي هو خير، فأصبحت مجالسُنا الاستراحاتِ وكثبانَ الرمالِ، بدلاً من حلقِ الوعظِ ومجالسِ الذكرِ، التي هي من عواملِ قوةَ الإيمانِ، وتذوقَ حلاوتهِ، كما قال r لحنظلة: (( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعةً و ساعة ) )وكان عبدُ اللهِ بن رواحةَ إذا لقي الرجلُ من أصحابِ الرسول r قال: (تعال نؤمن بربنا ساعة) .
لقد فقدنا لذةَ العبادةِ حينما فقدنا الإخلاص، والإخلاصُ هو لبُّ الأعمالِ وروحها 0
لم نعد نستشعرُ عواقبَ الطاعاتِ وآثارها الحميدةِ في الدنيا والآخرة، ومن لم يكتمل عندهُ التصورُ لحقيقةِ هذهِ الآثارِ، فإنَّهُ يستلذُّ النومَ والراحة، ويضنُّ بالتعبِ والمجاهدةِ في سبيلِ الله، وبالتالي يفتقدُ لذةَ العبادةِ وحلاوتها.