فهرس الكتاب

الصفحة 8014 من 9994

وأمَّا القرآنُ الكريم ففيه ما تتفطرُ له الأكباد, وترتعدُ له الفرائص, وتصطكُ له الأسنان, فحين تخلفَ نفرٌ من المسلمين عن الهجرةِ إلى المدينة، وآثروا البقاءَ في الأرضِ التي ولدوا فيها، والبلادِ التي نشأوا في جنباتِها, حيث تخلف أولئك وفضَّلوا البقاءَ بين ظهرا ني المشركين, إذا بالقرآنِ الكريم ينزلُ متوعداً ومتهدداً أولئك المتخلفين بنبرةٍ حادَّة، ولغةٍ جادة لا يفهمُها إلا العقلاءُ فقط .

(( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) ) (النساء:97) .

فلم يُستثنْ من أولئك إلا المستضعفين من الرجالِ والنساءِ, والولدان, أرأيتَ أيها المسافر هذا الوعيدَ الشديد لأولئكَ المتخلفينَ في مكة, مع أنهم بالتأكيد لم يكونوا سياحاً, أو طُلاَّبَ مُتعة, ولكنَّهم كانوا هم أهلَ البلاد ورثوها كابراً من كابر, ونشاءُوا فيها منذ نعومةِ أظفارهم, ولينِ أكفهم.

أمَّا النبيُ صلى الله عليه وسلم وأصحابهُ الطيبين، فقد امتثلوا أمرَ ربهِم فهاجروا من مكة بكلِّ طواعيةٍ واختيار، مع أنَّها أحبُ البلادِ إلى قلوبِهم، وأقربُها إلى نفوسِهم، هاجروا من مكة, يومَ كانتْ مكةُ دارَ كفرٍ وإلحادٍ، فالمسألةُ مسألةُ عقيدة، والقضيةُ قضيةُ جنةٍ ونار، وهما أمران لا يستخفُ بها إلا المغفلون, إذ أنَّ حبَّ أرضٍ ما، أو حبَّ السفرِ إلى هنا أو هناك، لا ينبغي أن يُقدمَ على ما يُحبُه اللهُ ورسولُه مهما كانتْ الأسبابُ والمبررات .

(( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) ) (الأحزاب:36) .

فلا عجبَ إذاً أنْ يخرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من بلدهِ وأرضهِ, ثم يقفُ على مشارفِها فيقول: والله يا مكة إنَّك أحبُ البلادِ إلى الله, ولولا أنَّ قومَك أخرجوني ما خرجت, لعلك عرفت الآن أيها المسافر أنَّنا لا ننطلقُ من فراغ، ولا نتقدمُ بين يدي اللهِ ورسولِه، ولكنَّنا ننطلقُ من أدلةٍ شرعية, ونصوصٍ ثابتة تُحرِّمُ السفَر إلى بلادِ الكفار دون مبرراتٍ مشروعة, وأنت تعلمُ - يا رعاك الله-أنَّ للسفرِ ضريبةً غاليةَ الثمن، يدفعُها المسافرُ على حسابِ عقيدتهِ وأخلاقهِ وسلوكه. فمخاطرُ السفر على العقيدةِ والأخلاقِ والسلوك، لا ينكرُها إلا مكابرٌ أو جاهل، أو شخصٌ لا يريدُ أن يفهم، فأمَّا مخاطرهُ العقدية, فأذكرُ منها جانبين فقط. أما الأول: فهو تمييعُ مفهومِ الولاءِ والبراء، وإذابةُ حاجزِ النُفرة من الكُفَّار, والدارسون لقضايا العقيدةِ وأصولِ الدين يدركونَ جيداً, أنَّ معاداةَ الكفارِ وبغضَهم, والنُفرَة منهم وكراهَيتهم، أصلٌ أصيل وركنٌ ركين من أصولِ العقيدة, فإذا كانَ الأمرُ كذلك فلنا أن نتساءلْ, هل من بُغضِ الكفارِ وكراهيتِهم، التسَابقُ إلى السفرِ إلى بلادِهم، والتفاخرُ في طولِ الإقامةِ بين ظهرانيهم ؟! أجيبوا أيها المسلمون ؟ أفتونا يرحمكم الله ! وأمَّا الجانبُ الثاني: من خطرِه العقدي فهو تعريضُ الأهلِ والأولاد لمخاطِرَ المنصرين المنتشرينَ كالجراد في أماكنِ تجمعِ السُيَّاح، يهدونهم النشراتِ التنصيريه، ويدعونهم إلى عقيدتِهم الوثنية، واعتقادِ ما فيها من الخرافاتِ البَاطلة والخزعبلاتِ التافهة .

ويُرغبونهم في الذهابِ إلى كنائسِهمُ المهجورة وإحياءِِِ الصلواتِ فيها .

ناهيكَ عن برامجِهمُ الترفيهيةِ المجانية, على أنغام الموسيقى والأناشيد ِالكفرية المؤلهةِ للمسيح، والداعيةِ للتثليث, فلا تسل بعد ذلك عن مدى تأثرِ النساءِ والصبيان, وحتى البالغين بذلك السيلِ الجارف من التنصيرِ المركز .

أيها المسافر: وأمَّا المخاطرُ الأخلاقية: فما ظَنُّك ببلادٍ تَعدُ الفاحشةُ فيها هي الأصل, والعفةُ شذوذٌ وتخلفٌ ورجعية .

وما بالُك ببلادٍ إذا لم تتخذْ الفتاةُ عشيقاً لها بعد البلوغ، فهي مريضة ! فهي مريضة بحاجة إلى عرضِها على طبيبِ الأمراضِ النفسية !

يمنحُها الثقةَ بنفسِها, ويدعوها إلى بذلِ عرضها لأولِ عابرِ سبيلٍ تصادفُه, لتنعَم بالشفاءِ بعد ذلك, أيُّ فرصةٍ تقدمونها أيها المسافرونَ لأولادكم حين تصطحبونَهم إلى بلادٍ ينتشرُ فيها الزنا، ويُتخذُ البغاء تجارةً وحرفةً تتبناها الدولة، وتُمنح لأجلِها التصاريح، وتُجبى من ورائها الضرائب, أيُ جنايةٍ يرتكبُها أربابُ الأسر حين يسافرون بمراهقيهِم والشهوةُ تتأججُ في صدورهم إلى بلادٍ فيها كلُ شيءٍ إلا الفضيلة, وفيها كلُ شيءٍ إلا العفة, وفيها كلُ شيءٍ إلا الطُهرَ والنزاهة

أمَّا حاناتُ الخمور ففي كلِّ شارعٍ وناحيةِ طريق, يشربُها الفُسَّاقُ هناك كما يَشربونَ الماء، ويستنشقونَ روائحَها المنتنة كما يستنشقونَ الهواء, يشربُونها قياماً وقعوداً, جلوساً ورقوداً, غدواً وعشياً وحين يظهرون, فما الذي يردعُ المراهقين الصغارَ والكبار عن طرقِ بابِ التجربة؟ وهم يرونَ إعلاناتِها تملأُ الشوارع, وتُعرض عبرَ وسائلِ الإعلام بطريقةٍ مُغرية وأساليبَ ماكرة .

ما لذي يردعُ مراهقي الشبابِ والكهول عن الرشفةِ الأولى، وخطوةِ الألفِ ميل لتكونَ هي بدايةَ السقوط في شباكِ الإدمان الذي يصعُب علاجُه.

أيها المسافرون: وأمَّا المخدرات، فأنتم تعلمونَ جيداً أنَّ عصاباتِها ومُروجيها

لا يكادُ يخلو منها حيٌ من أحياءِ تلك المدنِ البائسة, يتصيدونَ ضحاياهم بأساليب ملتوية وإغراءاتٍ مدروسة, يُقدمونَ المخدرات في يد، والداعراتِ في اليدِ الأخرى، ليقعَ المُغررون في براثنِهم, ويَسقطونَ في أَسارِهم, فلا تكادُ تقومُ لهم قائمةٌ بعد ذلك, فمن ذا الذي يأمنُ على نفسِه, أو على واحدٍ من أولاده أن تزلَّ به القدم، فيقعُ في شباكِ أولئك المجرمين، إما رغبةً تحت مطارقِ الإغراء, أو رهبةً تحت وَقع التهديد والإكراه، وإذا لم تكن تعرفْ ما المخدرات, فالمخدرات: عينان حمروان، وخدَّان غائران, ووجهٌ مُصفر، وجسمٌ هزيل, وعقلٌ معطل, ومروءةٌ ذاهبة, ورجولةٌ ممسوخة, وكرامةٌ مدفونة, وغيرةٌ مغتالة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت