وأما من صد عن الحق ولم يقبل الحق الذي جاءت به الرسل ووجد حرجًا في نفسه من كلام الرسل، ومن كلام من اصطفاهم الله جل جلاله إن أولئك البلاء في أنفسهم وليس البلاء في الحق، البلاء في شهواتهم وشبهاتهم، وليس البلاء فيما أنزل الله وفيما بلغته الرسل من عند الله، ورسل الله صادقون مصدقون لا ينطقون عن الهوى قالت الرسل: وما علينا إلا البلاغ المبين فماذا كان جواب أولئك الذين كذبوا الرسل؟ قالوا إنا تطيرنا بكم، تطيروا بهم قالوا: إن سبب ما جاءنا من الشر وسبب ما جاءنا من البلاء إنما هو من جهتكم إنما هو من أسبابكم، أما نحن فإننا مستحقون لكل فضل من الله ولكل رحمة من الله، ولكن سبب بلائنا أنتم أيها الرسل لأنكم خالفتم ما عهدنا عليه الآباء وما عهدنا عليه من سبقنا في عباداتهم للآلهة المختلفة وفي اتباعهم لكبرائهم إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم.
يعني إن لم تتركوا ذلك فلنرجمنكم ولنقتلنكم أيضًا ليمسنكم منا عذاب أليم، فكان جواب الرسل، جواب المطمئن إلى الله الذي أنس بما عند الله المصدق بوعد الله قالت الرسل: طائركم معكم سبب شقائكم وسبب التطير وسبب ما سيحيق بكم من البلاء إنما هو معكم، ملازمكم، وهو ما صدر عنكم من عمل الشر وما صدر عنكم من سوء وما صدر عنكم من تكذيب الرسل وعدم الإيمان بكتب الله وبما أنزل الله على رسوله قالت الرسل: أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون [يس:19] . يعني أتقتلوننا لأجل التذكير بالله وبسنة الله وبالصدع بما أنزل الله في كتابه، أتقتلوننا لذلك؟ بل أنتم قوم مسرفون، فسبب ذلك الإسراف، إسرافكم في الأمر وإسرافكم في أنفسكم ومجاوزتكم للحد الذي أذن الله به، وهكذا كل من خالف الرسل من الذين اتبعوا شهواتهم، واتبعوا شبهاتهم، إن أولئك دائمًا حجتهم من جنس تلك الحجة يظنون أن البلاء من جهة المذكرين، أن سبب ما يصيب الناس إنما هو من جهة الذين ذكروهم بما أنزل الله في كتابه، وهذه حجة قديمة جديدة أتواصوا به بل هم قوم طاغون [الذاريات:53] .
ثم بين الله جل جلاله وظيفة رجل من المؤمنين آمن بما جاءت به الرسل. بعثه واعظًا لقومه مذكرًا لهم قال سبحانه: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين [يس:20] . وجاء من أقصى المدينة، وهي تلك القرية رجل يسعى قال المفسرون في قوله: من أقصى المدينة ما يشعر بأنه ليس من أغنياء الناس بل من فقرائهم، وليس من أهل الجاه، بل هو ممن يرفض قوله الأكثرون لأنه جاء من أقصى المدينة وعادة الناس في الأزمنة الأُوَل أن الأشراف والكبراء يسكنون وسط المدن وأن من هم دونهم يسكنون الأطراف والأقصى من المدينة.
وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين لقد كان حريصًا أن يتبع أولئك الناس المرسلين، فيتبعونهم فيما جاءوا به من الحق وينصرونهم ولا يخذلونهم؛ لأن في ذلك أسباب السعادة لهم في الدنيا والأخرى.
قال يا قوم اتبعوا المرسلين ثم علل ذلك بقوله: اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون [يس:21] . إن من أدلة صدقهم أنهم مهتدون على صراط الله، وأنهم مجدوا الله جل جلاله وأنهم دعوا إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، دعوا إلى ذلك وكانوا على بصيرة في ذلك الأمر، وهم لم يسألوا الناس أجرًا ولم يتكلفوا قال: اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون. يعني اتبعوا من لا يطلب منكم مالاً، والحال أنه من المهتدين، لأن من الناس من لا يسأل الناس أجرًا في دعوته، ولكنه على ضلالة، على مخالفة للرسل، والناس قد يظنون أن كل زاهدٍ أو أن كل من لا يسأل الناس أجرًا أو أن كل مدافع عن حقوق الناس أنه على هداية.
وهذه الآية فيها التنبيه على أنه لابد أن يكون مع الأول على هداية، والهداية هي الهداية إلى طريق الرسل الذي بينه الله جل وعلا في كتابه اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون، والقضية ليست أنهم لم يسألوا الناس أجرًا فحسب، بل القضية الكبرى أنهم على هداية من الله، أن حالهم الهداية، أنهم اهتدوا بهداية الله، وأخذوا ما أنزل الله، ولم يفرقوا بين أمر الله، لم يفرقوا بين كلام الله، بل كانوا على وفق ما يحب الله ويرضى، ابتعدوا عن المشتبهات وأخذوا بالحق فكانوا على الهداية، وقبلوا ما أمرهم الله به، فكانت تلك الهداية للمرسلين.