فهرس الكتاب

الصفحة 7702 من 9994

وكذلك تكون تلك الهداية لكل من اتبع الرسل قال الله جل وعلا مخبرًا عن قيل ذلك الرجل الصالح: ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون [يس:22] . يقول: لماذا لا أعبد الله الذي فطرني؟ لماذا لا أعبد الواحد الأحد، وأعلق قلبي به وأدلُّ الناس عليه وأجعلهم مطمئنين إلى الله، عابدين له وحده دون ما سواه خالعين للأنداد وهذه هي دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، إن دعوتهم ودعوة أتباعهم إلى التوحيد الخالص ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون قال جل وعلا لنبيه: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [يوسف:108] . قال ذلك الرجل الصالح: أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغنِ عني شفاعتهم شيئًا ولا ينقذون إني إذاً لفي ضلال مبين.

إذا كانت دعوة الرسل ودعوة ذلك الرجل الصالح فيما دعا به قومه، في توحيد الله وردّ الناس إلى التعلق بالله، لأنها مهمة المصلحين، لأنها مهمة الذين يريدون أن يعلقوا قلوب الناس بالله جل جلاله، فإذا صلحت القلوب وصلح الناس أنزل الله جل وعلا البركات على الأرض وأذن بما يأذن به من سننه الكونية، قال جل وعلا مخبرًا عن قوله: إني إذًا لفي ضلال مبين يعني إن كنت على تلك الحال من الشرك فإني على ضلال مبين، نعم كانت تلك أقواله، وكانت تلك دعوته، فما كان منهم إلا أن قتلوه، ما كان منهم إلا أن توجهوا إليه بالتهديد لما قال لهم: إني إذًا لفي ضلال مبين توجه إليهم بكلمة الحق وقال: إني آمنت بربكم.

إما أن يكون توجه إلى المرسلين وإما أن يكون توجه إلى الناس إني آمنت بربكم فاسمعون فلما قال ذلك بادروا إليه وقتلوه فتلقته الملائكة بقولهم: قيل ادخل الجنة لأنه دعا إلى ما دعا إليه المرسلون واتبع سيرتهم وجاهد في ذلك، ولو كان في ذلك بذل نفسه، تلقته الملائكة ألا تخف ولا تحزن وادخل الجنة، فنظر لما دخل الجنة ورأى النعيم، تذكر قومه ورحم قومه فقال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين أدركته الرحمة، أدركته رحمة الخلق، وهكذا الداعية الصالح الناجح يأمر الناس بما أمر الله به، وهو رحيم بهم يرحم العاصي إذا عصى، ويرحم الضال أن ضل، ويرحم الناس أن لا يكونوا من أهل الجنة، وبوده لو بذل نفسه ودخل الجنة جميعًا جنة الله جل جلاله، قال الإمام أحمد: وددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن الخلق أطاعوا الله جل جلاله، لأنه يحب المؤمنين ويحب أهل الإسلام ويحب أن يكون خلق الله جميعًا من أهل الجنة، لكن ذلك لا يمكن أن يكون، لأن الله ذرأ لجهنم نصيبًا وذرأ للجنة نصيبًا وكل سيأتيه نصيبه.

أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الجنة.

لما دخل الجنة وقتل ثم صار بقومه ما صار من تكذيب الرسل قال جل جلاله: وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ليس الأمر بعسير على رب العالمين، لا يحتاج إلى جنود مجندة، إنما هي صيحة من السماء فأخذتهم صاعقة أتتهم، فأخذتهم فكانوا أمواتًا فإذا هم خامدون يا حسرة على العباد.

أيها المؤمنون: إن في قصص القرآن لعبرة، وإن الدعوة الصالحة الناجحة لابد أن يكون فيها ومعها ولها التدبر الأعظم في سنن الله، وفي قصص القرآن، وفي دعوة الأنبياء والمرسلين، لأن من أخذ بدعوتهم، من أخذ بدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، من أخذ بسنته فإنه على نجاح في دعوته، ولو لبثت دعوته ما لبث نوح في قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا [العنكبوت:14] . المهم أن يكون الطريق صوابًا، وليس المهم أن يكون الطريق قصيرًا لأن مع الصواب رضى الله جل جلاله، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا من أتباع نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن الذين يحشرون تحت لوائه، ومن الذين يردون حوضه فيسقون منه سقية، ويشربون شربة لا يظمأون بعدها أبدًا.

أسأل الله أن يجعلنا من المنيبين إليه, الخاشعين، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون، واسمعوا قول الله جل وعلا بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه حقًا وتوبوا إليه صدقًا إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده صلى الله عليه وسلم إلا هالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت