فالآيات والأحاديث في الرياء كثيرة فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} البقرة:264، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} النساء:38.
أما الأحاديث فقد جاءت أحاديث كثيرة منها حديث ابن عباس الذي بين أيدينا، وكذلك حديث أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه-"أن رجلًا أعرابيًا أتى النبي-صلى الله عليه وسلم-فقال: يا رسول الله ، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله"12."
وعن محمود بن لبيد-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال:"الرياء إن الله تبارك وتعالى، يقول يوم تجازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء؟"13.
قال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-:"للمرائي ثلاث علامات، يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم14."
وقال الفضيل بن عياض:"كانوا يراءون بما يعلمون، وصاروا اليوم يراءون بما لا يعلمون"15.
وعن عاصم قال: كان أبو وائل_شقيق ابن سلمة- إذا صلى في بيته ينشج نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وواحدٌ يراه، ما فعله"16."
الفرق بين الرياء والشرك الأكبر:
قال ابن حجر الهيتمي-رحمه الله-: يتضح الفرق بين الرياء"وهو الشر الأصغر وبين الشرك الأكبر بمثال هو أن المصلي مراءاة يكون رياؤه سببًا باعثًا له على العمل، وهو تارة يقصد بعمله تعظيم الله تعالى، وتارة لا يقصد شيئًا، وفي كل منهما لا يصدر عنه مكفر، بخلاف الشرك الأكبر الذي لا يحدث إلا إذا قصد تعظيم غير الله تعالى، وعلم بذلك أن المرائي إنما حدث له هذا النوع من الشرك بتعظيمه قدر المخلوق عنده حتى حمله ذلك على الركوع والسجود، فكأن المخلوق هو المعظم بالسجود من وجه، وذلك غاية الجهل17."
أقسام الرياء:
ذكر الغزالي: أن الرياء بحسب ما يراءى به خمسة أقسام:
1-الرياء في الدين بالبدن، وذلك بإظهار النُحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوف الآخرة. أما رياء أهل الدنيا فيكون بإظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة، وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة الأعضاء
2-الرياء بالهيئة والزي، وذلك بتشعيث شعر الرأس، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب وتقصير الأكمام, وترك تنظيف الثوب, وتركه مخرقًا، كل ذلك لإظهار أنه متبع للسنة. أما مراءاةُ أهل الدنيا فبالثياب النفيسة، والمراكب الرفيعة, وأنواع التوسع والتجمل في الملبس والمسكن.
3-الرياء بالقول، ويكون من أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة, وحفظ الأخبار والآثار لإظهار غزارة العلم، ومن ذلك تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمامهم. وأما أهل الدنيا فيكون رياؤهم بحفظ الأشعار والأمثال، والتفاصح بالعبارات، وحفظ الغريب من النحو واللغة للإغراب على أهل الفضل.
4-الرياء بالعمل، وذلك كمراءة المصلي بطول القيام والركوع والسجود ونحو ذلك. أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والاختيال وغيرهما مما يدل على الجاه والحشمة.
5-المراءاة بالأصحاب والزائرين، كأن يطلب المرائي من عالم أن يزوره ليقال: إن فلانًا قد زار فلانًا، ومن ذلك كثرة ذكر الشيوخ. قال الغزالي: فهذه الخمسة هي مجامع ما يرائي به المراءون، وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد18.
درجات الرياء:
للرياء بحسب قصد المرائي أربع درجات:
الأولى: وهي أغلظها ألا يكون مراده الثواب أصلًا، كالذي يصلي أمام الناس، ولو انفرد فإنه لا يصلي، وربما دفعه الرياء إلى الصلاة من غير طهر.
الثانية: أن قصده للثواب أقل من قصده لإظهار عمله. وهذا النوع قريب مما قبله في الأثم.
الثالثة: أن يتساوى قصد الثواب وقصد الرياء، بحيث أن أحدهما وحده لا يبعثه على العمل، ولكن لما اجتمع القصدان انبعثت فيه الرغبة في العمل، وهذا قد أفسد بمقدار ما أصلح، وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم من العقاب.
الرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجحًا ومقويًا لنشاطه، ولو لم يكن ذلك ما ترك العبادة، وهذا النوع لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب صاحبه على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب"19."
حكم الرياء:
ذكر الذهبي الرياء ضمن الكبائر، وذكر أدلة ذلك من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح20، وعده ابن حجر الكبيرة الثانية بعد الشرك بالله، وقال: شهد بتحريمه الكتاب والسنة وانعقد عليه إجماع الأمة، وبعد أن أشبع القول في ذكر أدلة تحريمه قال: المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركًا مقتضيًا للعن أن في استهزاء بالحق تعالى، ومن ثم كان الرياء من كبائر الكبائر المهلكة ولذلك سماه الرسول-صلى الله عليه وسلم-:"الشرك الأصغر"21، وفي الرياء أيضًا تلبيس على الخلق لإيهام المرائي لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك22.
وقال ابن حجر أيضًا: إذا أطلق لفظ الرياء-شرعًا- فالمراد الرياءُ المذموم- وهو العبادة التي يراد بها غير وجه الله-تعالى-، وقد يطلق الرياء على أمر مباح وهو طلب نحو الجاه والتوقير بغير عبادة، كأن يقصد بزينة لباسه الثناء عليه بالنظافة والجمال ونحو ذلك، ووجه عدم حرمة هذا النوع أنه ليس فيه ما في الرياء المحرم من التلبيس بالدين والاستهزاء برب العالمين.
وأقبح أنواع الرياء ما تعلق بأصل الإيمان وهو شأن المنافقين، يلي ذلك المراءاة بأصول العبادات الواجبة، كأن يعتاد تركها في الخلوة، ويفعلها في الملأ خوف المذمة، وهذا يؤدي إلى أعلى أنواع المقت، يلي ذلك المراءاة بالنوافل التي يفعلها المرائي باعتيادٍ أمام الناس ويرغب عنها في الخلوة، ويلي ذلك في القبح المراءاة بأوصاف العبادات كتحسنها وإظهار الخشوع فيها في الملأ والاقتصار في الخلوة على أدنى درجاته23.
معالجة الرياء:
لا يستطيع أحد أن يقمع الرياء إلا بمجاهدة شديدة ومكابدة لقوة الشهوات ويكون ذلك بأمرين:
الأول: قلع عروقه واستئصال أصوله وهي: لذة المحمدة والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس، وهذا الثلاثة راجعة إلى حب المنزلة والجاه.