لا عز لنا إلا بإسلامنا ، ولا كيان لنا إلا بديننا ، ولا بقاء لنا إلا بالتزامنا ، أما أن ينعق كل ناعق ، وأن يفتري كل مفتر ، ويقول في العلم وفي الدين بغير علم بالهوى ، إن النبي قال في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام البخاري والإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو إنه قال:"إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، فإذا لم يتبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (1)
أين أنتم يا هؤلاء ؟ يا من تتبجحون على الدين بغير علم يا من تجترئون على الدين بغير علم أين أنتم من رسول الله الذي كان إذا ما سئل يقول:"انتظروا حتى يأتينى جبريل بالوحي من عند الله".. أين أنتم من صحابة رسول الله ؟ أين أنتم من التابعين ؟ .
وهذا هو القاسم بن محمد إمام من أئمة الفقه السبعة في المدينة المنورة يأتيه سائل ليسأله عن شيء فيقول القاسم: إني لا أحسنه ، إني لا أعرف ، لا أدري فتعجب السائل وقال له: يا قاسم أنا اتيتك لا أعرف غيرك وأنت تقول: لا أعرف ، لا أدري ؟ فنظر إليه القاسم وقال: يا أخي لا تنظر إلى طول لحيتي ولا إلى كثرة الناس من حولي ، والله لا أحسنه ، والله لا أعرف ، والله لا أدري ، فكان هناك شيخ إلى جوار القاسم من شيوخ قريش فقال له: أيها العالم يا بن عم يا ابن عم الزمها ، الزمها فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم فقال القاسم: والله ، والله لأن يقطع لساني خير لي وأحب من أن أقول في الدين بما لا علم لي به ..
أما هؤلاء الذين يجترئون على الدين ويقولون في الدين بغير علم من منطلق الهوى، والهوى يضل صاحبه عن سبيل الله (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ/26)
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده ، والصلاة على من لا نبي بعده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ..
فيا أيها الأحبة الكرام: كنت قد أعددت لكم كثيرا لأن الموضوع لم ينته بعد خشية أن يطول الوقت بنا لجعلت لموضوع الشهوات جمعة أخرى ، لأن كثيرا من الشهوات قد سيطرت على الناس في هذه الأيام فهناك شهوة الغناء وحب الغناء .
بل من العلماء من قال بأن الغناء لا شيء فيه ، بل من العلماء من طالعنا في كتبه الأخيرة، وأنا لا أنتقد أحداً ، وإنما أذكر والله ، والله الذي لا إله غيره ليس من طبعي أن أجُرح أحداً من العلماء ، أو أن أنتقد أحداً من العلماء ، لأني على يقين كامل أنه لا ينبغي أن يخطئ العالم إلا عالم ولست من العلماء ، ولكنني أقول من باب التذكير والتحذير .
يقول عالم من علمائنا - وكما قلت: إننا نحب علماءنا ، ولكننا نحب الحق أكثر من حبنا لعلمائنا - يقول: لقد دخل على شاب كنت مشرفاً على رسالته فدخل على وأنا أستمع إلى الغناء ، كان يستمع إلى الغناء من صوت محبب لديه ، ودخل هذا الشاب الصغير فلما رأى أستاذه يستمع إلى الغناء وأنتم تدرون وكلكم على علم بكلمات أغانينا في أيامنا هذه ، إن الشريط الملعون ( لولاكي) قد وزع منه (8 مليون) شريط ) (8مليون) شريط من هذا الإسفاف العقلي ومن هذه الخزعبلات والهراءات (8مليون) أمر عجيب .
دخل الشاب على أستاذه وتعجب فقال أستاذه: إن الغناء لا شئ فيه فلما لم يستطع التلميذ مناقشة أستاذه ، استحلفه بالله أن يغلق المذياع فاستجاب الأستاذ لتلميذه وأغلق الراديو يقول أستاذنا: فلم أستطع أن أصمت فجعلت أردد كلمات الأغنية بصوتي أنا ، وغيرها من الشهوات وغيرها .
أقول: إن الموضوع طويل ، ولكن هناك نقطة أخيرة في غاية الأهمية أود أن أنبه إليها حضراتكم ، وهي: أن في الجمعة الماضية في مسجد مبارك من مساجد السويس كان أحد الدعاة الأفاضل والكرام يفسر على المنبر سورة الفجر ولكنه أخطأ خطأ كبيرا أود أن أذكر العقول به .
وأنا أقول بداية: والله الذي لا إله غيره ليس من باب تصيد الأخطاء وليس من باب الانتقاد للدعاة أو ينبري البعض للبعض الآخر ، وليس من باب التقليل من شأن الداعية الكريم ، فإني أشهد الله والله شهيد على ما في قلبي أني أحبه في الله عز وجل ، وأشهد له أنه من الدعاة الذين يحترمون المنبر ويحترمون العقول ويعدون للجمعة إعداداً جيداً وكاملاً ، وأسأل الله أن يغفر لي وله ولكن من باب التذكير ومن باب النصح لا أكثر من ذلك .
والله الذي لا إله غيره لقد قال هذا الداعية الكريم في تفسير سورة الفجر في قول الله جل وعلا: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (الفجر/14) قال: ولقد استمعت إلى الشريط بأذني رأسي حتى أكون على يقين قال في قوله: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) ظل يعدد أن الله سبحانه وتعالى يراك في كل مكان ، ثم قال عبارة اقشعر منها بدني حيث قال: فلو ذهبت إلى الخمارة لوجدت الله هناك ثم قال في قول الله عز وجل: ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (الفجر/22) قال بالحرف الواحد: لا مجيء لله أبدا ونفى المجيء عن الله عز وجل.
قلت: بأن هذا الموضوع جد خطير وكان يحتاج مني إلى وقفة وإلى تذكير والله لا من باب الانتقاص ولا الانتقاد ، لأنه أمر في صلب العقيدة ، يقول علماؤنا وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الأسماء والصفات لرب الأرض والسماوات يقول علماؤنا: إن لله جل وعلا أسماء وصفات ، ويذهب أهل السنة والجماعة في هذه الأسماء والصفات أننا نؤمن بها صريحة ونمررها كما هي انتبهوا من غير تحريف ، ولا تكييف ، ولا تأويل ، ولا تعطيل ، ولا تشبيه أو تمثيل كيف ؟ .
الله سبحانه وتعالى له أسماء وله صفات أثبتها الله جل وعلا لذاته في القرآن الكريم وأثبتها له نبينا فينبغي أن نؤمن بهذه الأسماء وتلك الصفات كما أثبتها الله لذاته وكما أثبتها النبي لربه جل وعلا .
أولا: نؤمن بصفات الله جل وعلا بغير تحريف ما معني ذلك ؟ أي نأخذ الصفة دون أن نحرفها عما جاءت في القرآن والحديث .
على سبيل المثال: أثبت الله جل وعلا لذاته صفة الكلام ، لقد أثبت الله لذاته في القرآن وفي الحديث الصحيح عن النبي أن الله يتكلم فقال سبحانه ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) (النساء/164) فرد هؤلاء الذين قالوا بتعطيل الصفات كالجهمية والمعطلة والأشاعرة والمعتزلة وغيرهم ، قالوا بأن هذه الآية أهل السنة والجماعة ما فهموها حق فهمها قيل لهم: لماذا ؟ قالوا: لأن الآية معناها أو قراءتها الصحيحة: ( وكلم الله موسى تكليما ) جعلوا الله لفظ الجلالة في محل مفعول به مقدم وأخروا موسى ليأتي فاعل ليكون الكلام من موسى أي أن الذي تكلم هو موسى لينفوا صفة الكلام عن الله .
فرد عليهم علماؤنا وقالوا لهم: إذا كنتم تقولون في هذه الآية بأن المتكلم هو موسى لتقديمكم وتأخيركم بالباطل فماذا تقولون في قول الله جل وعلا: ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) (لأعراف/143) ماذا تقولون في هذه ؟ ؟ الله أثبت لنفسه الكلام وأثبت النبي لربه الكلام .
إذن نؤمن بأن الله يتكلم ولكن كيف ؟ الله أعلم .