أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة _ رضي الله عنها _: (( أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان بينَ يديهِ ركوةٌ فيها ماء، فجعل يُدخلُ يدهُ المباركةِ فيها ، ويمسحُ بها وجههُ ويقول:( لاإله إلا الله ، إنَّ للموتِ لسكرات ، ثُمَّ نصب يدهُ - صلى الله عليه وسلم - وجعلَ يقولُ: في الرفيقِِ الأعلى، حتى قُبض ، ومالت يده ) )صلى الله عليه وسلم .
فاعتبر أخا الإيمان ؛ بحقائقٍ أدلى الناطقون بها في ذلك المقام، ومُشاهداتٌ وصفها المتألمونَ المتوجعونَ من سكرات الموت، وتشخيصاً يكسرُ القلوبُ طلباٌ لرحمةِ الله ، طلباً لمغفرة الله .
رُوي عن عُمر بن العاص _ رضي الله عنه _ لما حضرتهُ الوفاة، قال لهُ ابنهُ عبد الله ؛ يا أبتاه: إنَّك لتقول: ليتني ألقى رجلاً عاقلاً لبيباً عند نزولِ الموت ، حتى يصفُ لي ما يجدُ ، وأنت ذلك الرجل ؛ فصف لي الموت؟ فقال: يابني: والله كأنَّ جبيني في تخت، وكأني أتنفسُ من ثُقبِ إبرة، وكأنَّ غُصنَ شوكٍ يُجذبُ من قدمي إلى هامةِ رأسي .
فكيفَ بك يا مغرور وقد حلَّت بك السكرات، ونزل بك الأنين، والروحُ كالشوكةِ تُسحبُ من أسفلِ قدمكَ إلى مفرقِ رأسك، تسمعُ عويلَ الحاضرين، وتلقينَ الناصحين الشهادة لك، ثقل اللسان، وبارت القوى، وارتخت اليدان، وغارت العينان، تسمعُ نداءَ بنتكَ الصغيرةِ تبكي كالأسيرة ؛ تقول: أبي لا تفارقني، وأنت تسمعُ الكلام، ولا تَقدر على الجواب، ما أضعفك واهونك في تلك اللحظات؛!! إن تخلى اللهُ عنك، وعبثَ بك الشيطان، لن تستطيعَ الجواب ؛ فعزرائيل -عليه السلام - يُنادي الروحَ أن تخرج ؛ فمثِّل نفسك أيَّها الناسي،!! وتذكر أيُّها السادرُ المغرور.
أمةَ الإسلام: اسمعوا الخبرَ اليقين، والحديثَ الجلي، الذي يُغني عن التنبيهات، والمواعظِ المُبكيات، خبراً صحيحاً عن النبي الكريم ، عن محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّهُ قال: (( فإنَّ العبدَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ على الآخرةِ، نزل إليه ملائكةٌ من السماءِ بيضُ الوجوه ، كأنَّ وجُوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفانِ الجنة، وحنوطٍ من حنوطها، حتى يجلسوا منهُ مُدَّ البصر ، ثم يجئُ ملكُ الموتِ حتى يجلس عند رأسه ؛ فيقولُ: أيَّتُها النفسُ المطمئنةِ ، أُخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان، قال: فتخرج ؛ فتسيلُ كما تسيلُ القطرةِ من في السقاء ؛ فيأخذُها فإذا أخذها لم يَدعوها في يدهِ طرفةَ عين ، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفنِ، وفي ذلك الحنوطِ ، وتخرجُ منها كأطيبِ نفحةِ مسكٍ وُجدت على وجهِ الأرض ؛ فيصعدون بها، فلا يمرُون بها على ملأٍ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذه الريحُ الطيبة، فيقولون: فلانُ بن فلان، بأحسنِ أسمائهِ التي كانوا يُسمُونَهُ بها في الدنيا ؛ حتى السماءَ السابعة ؛ فيقولُ الله _ عز وجل _ اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوهُ إلى الأرض ؛ فانِّي منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ، ومنها أُخرجهم تارةً أُخرى ؛ فتُعادُ رُوحه .
وانَّ العبدَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا ، وإقبالٍ إلى الآخرة . نزلَ إليه من السماءِ ملائكةٌ سودَ الوجوهِ معهم المسوح ؛ فيجلسون منهُ مدَّ البصر، ثُمَّ يجئُ ملكُ الموت حتى يجلسَ عند رأسه، فيقولُ: أيَّتها النفسُ الخبيثةِ ؛ اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، قال: فتتفرقُ في جسده ؛ فينتزعُها كما يُنتزعُ السفودُ من الصوفِ المبلول ؛ فيأخذُها ؛ فإذا أخذها لم يدعُوها في يدهِ طرفةَ عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرجُ منها كأنتنِ ريحِ جيفةٍ وُجدت على الأرض؛ فيصعدون ؛ فلا يمرون على ملأٍ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذه الروحُ الخبيثة ؟ فيقولون: فلانُ ابن فلان بأقبحِ أسمائهِ التي كان يُسمى بها في الدنيا- نسألُ الله العافيةَ من هذا - حتى ينتهي بها إلى السماءِ السابعة ؛ فيستفتحُ ؛ فلا يُفتحُ له ثُمَّ قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ) (لأعراف: من الآية40) .
فيقول الله - عز وجل -: اكتبوا كتابهُ في سجِّين في الأرضِ السفلى، فتطرح روحهُ طرحاً، ثُمَّ قرأ: (( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) ) (الحج: من الآية31) رواه أحمد ، وأبو داود، والحاكم عن البراء بن عازب ،وصححهُ الألباني على شرطِ الشيخين .
قال سلمان الفارسي _ رضي الله عنه _: ( أضحكني ثلاث: مؤملُ الدنيا والموتُ يطلبُه ، وغافلٌ ليس بمغفولٍ عنه ، وضاحكٍ بملءُ فيهِ وهو لا يدري أرضيَ اللهُ عليه أم سخط ؟ وأبكاني ثلاث: فراقُ الأحبةِ محمد _ صلى الله عليه وسلم _ وحزبه ، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله تعالى ) .
تزود من الدنيا ؛ فانَّكَ لا تدري
إذا جنَ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجر ؟
فكم من عروسٍ زينوها لزوجها،
وقد أخذت أرواحهم ليلةََ القدرِ
وكم من صغارٍ يُرتجى طولَ عمرهم
وقد أُدخلت أرواحهم ظلمةَ القبرِ
وكم من سليمٍ مات من غيرِ علةٍ
وكم من سقيمٍ عاشَ حيناً من الدهرِ
وكم من فتى يُمسي ويُصبحُ لاهياً
وقد نُسجت أكفانهُ وهو لا يدري
وكم من ساكنٍ عند الصباحِ بقصرهِ
وعند المسا قد كان من ساكني القبرِ
فداوم على تقوى الإلهِ فإنَّها
أمانٌ من الأهوالِ في موقفِ الحشرِ
أُمةَ الإسلام:
كيف يستمرئُ العُصاةُ لذاتهم المنقضية، تأتلفُ نفوسهم كلفاً بها ، يبحُرون في لُجةِ كلِّ معصية، طلباً للذةِ الساقطةِ، والسعادةِ المزورة، التي تبرقعت بالسراب ، كيف يتكلفون المُحرمات ؟ ومِن خلفهم مقاريضَ الخاتمة ، وأوجاعٍ نسجوها هُم بأيديهم وما قُدمت ليومِ رحيلهم .
كيف يستمرئُ العُصاةُ ذلك ، وقد زلَّ عن منهجِ النجاةِ من رُؤي عليهم بهاء الطاعة ، ونضارةَ القُربِ من الله _ سُبحانه وتعالى _ ( فالحيُّ لا تَؤمن فتنتهُ ) .
كان محمدُ بن الحسن ممن اشتدَّ كلفهُ، وعشقهُ لغلامٍ أمرد؛ ففارقهُ الصبرُ منذُ أن عشقهُ، وفشت أشعارهُ فيه ، وجرت على الألسنةِ، وأنُشدت في المحافل، وكان يتبعُ الأمردَ الذي عشقهُ عندما يجلسُ على عتبةِ بابه ؛ فاعتزل الأمردُ مجلسه ذلك؛ ففقدَهُ ابن الحسن ؛ فأنهكهُ المرض ، وأضجعهُ الهم ؛ فنصحهُ المُقربون عندهُ بمعاودةِ الأطباء ؛ فرفضَ وقال: الدواءُ والعلاج ( نظرةٌ من أسلم ) وأسلم: هو ذلك الغلامُ الأمرد ؛ فذهبَ أحدُ أصدقاءِ محمد بن الحسن إلى الأمرد، يراوِدهُ بمعاودته ، وأن يتصدقَ عليه بنظرةٍ تُذهبُ بما فيه ، ( وهيهات هيهات ؛ فمن أسرفَ في محبةِ زينةٍ من الدنيا ، عذبهُ اللهُ بحبهِ ذاك ) فرضيَ أسلم ذلك الأمرد للذهابِ إلى ابن الحسن وهو على فراشه، لكي ينظرَ إليه ، ويريحَ قلبهُ من فقدهِ فسارا جميعاً ، ثُمَّ في وسط الطريقِ تردد أسلم ، ورفضَ إكمال المسيرِ إلى ابن الحسن ، قال له الرجل: لابُدَّ أن تفي بوعدك، وتُكمل سيرك، ولكنهُ رفض ورجع يوم أن رجع إليه عقله، فلحقهُ الرجل ، وتعلق بردائه حتى تمزق، ولكنهُ رفض، فرجعَ الرجلُ لابن الحسن ؛ فسألهُ عن الغلام ؛ فقصَّ عليه ما حصل ، وأنَّهُ رفضَ المجيءُ إليك لتراه .
فقال ابن الحسن ( وليتهُ ما قال ، وليتهُ ما قال ) ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ؛ قال لصاحبهِ احفظ عني هذه الأبيات:
أسلم - يقصدُ بذلك الغلامُ الأمرد الذي عشقه -
يا راحة العليل *** رفقاً على الهائمِ النحيل