ووصلك أشهى إلى فؤادي *** من رحمةِ الخالقِ الجليل
قال له صاحبه:
_ اتق الله، ما هذه العظيمة ! فقال:
_ قد كان، قدكان.
يقولُ صاحب ابن الحسن:
_ واللهِ ما توسطتُ الطريقَ حتى سمعتُ الصراخَ عليه ، وقد فارقَ الدنيا ؛ نعوذُ باللهِ من سُوءِ الخاتمة .
اللهمَّ ارزقنا حُبك ، وحبُّ من يحبك ، وحبُّ كلُّ عملٍ يُقربنا منك.
تلك هي النهاياتُ التي تنشقُ عن المتأملِ فيها، حقارةُ الحياةِ الفانية، وأنَّ الحياةَ الحقة لذلك القلب ؛ الذي يملكُ وثبةً واصلةً في أعمالِ الخير ، وذلاً يُحصِّنهُ من النهاياتِ المُرة، ألاَّ إنَّها دعوةٌ للعودةِ الصادقةِ للهِ الواحد القهار، لمحةٍ بارقةٍ تسترشدُ أخي الكريم بنورها طريق النجاة .
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) ) (الأنعام: من الآية93) .
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، والصلاةُ والسلامُ على عبادهِ الذين اصطفى، وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بعد:
فهنيئاً لأهلِ الطاعةِ والعرفان، الذين طوَعُوا أنفسهم لأوامرِ الله تعالى ونواهيه، معترفينَ بحقِّ العُبوديةِ والأُلوهيةِ لله - سبحانه وتعالى - الذين انتزعوا كلَّ حائلٍ بينهم وبين رضى اللهِ - جل وعلا - وامتلكوا كلَّ عنوانَ تضحيةٍ، يثبون به إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، وكانوا ألويةً رفيعةً لجحافل المتقين العاملين.
فأبشر يا باغي الهدى!! يامن تغشيتَ حلقَ العلمِ يومَ أن زهدَ فيها كثيرٌ من شبابِ الإسلامِ في هذا الزمن، وعكفت الركبُ عند العلماء !! فانظر إلى نجمةٍ واحدةٍ من تلك النجومِ الكثيرةِ السيارة على مرِّ العصور، وطويل الأزمان، إلى عالمٍ خُطت نهايتهُ على الكفوف ! .
العالمُ الهُمام، علامةُ الزمان، شيخُ الإسلام ( ابن تيمية ) - رحمه الله - ، المجاهدُ المُناضلُ بما أملاهُ اللهُ عليه من فضلهِ،
يقولُ الذي يقيمُ على زنزانتهِ في السجن:
_ قبلَ أن يلفظَ الشيخُ أنفاسهُ ، ويُغادرُ الدنيا ، في آخرِ لحظةٍ يَعيشُها من عمره ، قبلَ أن ينتقلَ من الحياةِ إلى الممات، قرأ قول الله تعالى: (( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) ) (القمر:,54,55) ثم قضى ومات - رحمه الله - .
لماذا أيَّها الأحبة:
نفتحُ صفحاتٍ من التاريخِ صفراء، ونرجعُ إلى الوراءِ كثيراً ، ونحسرُ أعيننا عن الواقعِ المُشرفِ الذي عطرهُ شُبانٌ أتقياء، نبلاء ، رجال أيُّ رجال ، عطَّروا مسامعنا بنهايتهم التي تُجددُ الحياة في القلب ، وتؤكدهُ بمغفرةِ اللهِ ورحمتهِ أكثر وأكثر !
دعاةً ، هداة، نصبوا أيَّامهم أمام الآخرةِ ، يشدُّون أمامَ جدارَ الليلِ أحلى أنواعَ العبادةِ لله وحدهُ لاشريك له .
كان هُناك شابٌ تعلق قلبهُ بالأذان، تتراقصُ الدمعاتُ من عينيهِ وهو يُنادي الناس، ( حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح ) رافعاً بها صوتهُ ، يمُدُّها ، ويُرسلُها حانيةً باردةً إلى آذنِ القاصي والداني، وبعد أيامٍ معدودة، جاءَهُ الابتلاءُ من الرحيم الرحمن - سبحانه وتعالى - فأصيبت مقلتاهُ وعيناهُ بالعمى ، وصار يحتاجُ إلى رعاية، والى أحدٍ يقومُ بشُؤونه ، ويكفلُ له متطلباته، فأمرهُ عمَّهُ وصنوأبيه ، أن يسكنَ عندهم في بيته ؛ فحصلَ مالا يُريدُهُ الشاب ؛ فسيصبحُ بعيداً عن الآذان وبُيوتَ الرحمن ، فرفضَ ألحَّ عليه عمَّهُ رأفةً عليه وشفقة، فقبلَ بعد ذلكَ ولكن بشرطٍ واحد، قال عمَّهُ وما ذاك ؟ قال: تأتونا بي قبلَ صلاة الفجر إلى مسجدي هذا ، ثُمَّ بعد شروق الشمس تأخذوني ، وتأتونا بي قبلَ صلاة الظُهر ، وتتركوني للأذان والإقامة والصلاة والدعاء بينهما ، حتى صلاةَ العشاء أُؤدي السُنة بعدها ، ثُمَّ أرجعُ إلى بيتكم ، استحسنَ العمُّ الطلبَ على كُلفتهِ وصعوبته ، وبعد زمنٍ ليس باليسير، والشابُ يَدفنُ سبابتاهُ في أذنيه، ويُنادي المسلمين للصلاة، ( الله أكبر، أشهدُ أن لااله إلا الله، حيَّ على الصلاة ) ؛ فإذا بروحهِ تخرج، ويموتُ ساعتها وهو يُؤذنُ. نسألُ الكريمَ من فضله .
وبعدُ عباد الله:
(( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) ) (الحديد: من الآية16)
يارب إن عظُمت ذنوبي كثرةً *** فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ
إن كان لا يرجُوكَ إلاَّ مُحسنٌ *** فمن الذي يدعو إليه المجرم
أدعوك ربِّ كما أُمرتُ تضرعاً *** فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ
مالي إليكَ وسيلةً إلاَّ الرجا *** وجميلُ ظني ثُمَّ أنَّي مسلمُ
عباد الله: إنِّي داعٍ فأمنوا:
اللهمَّ يامن لا يَحِفُيك سائل، ولا ينقُصُك نائل ، يامن خزائنهُ ملأ
لا تغيضها النفقة، يامن وسعت رحمتهُ غضبه ، يا من يُعطي الكثيرَ على القليل، ويغفرُ الذنبَ العظيم ، ويقبلُ توبةَ العاصي .
اللهمَّ اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادةُ أنَّ لا إلهَ إلاَّ الله.
اللهمَّ ارزقنا توبةً قبل الموت ، وراحةً بعد الموت ، ولذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريم.
اللهمَّ أصلح لنا نياتنا ، وذُرياتنا ، واجعلنا هُداة مهديين، غير ضالين ولا مُضلين .
اللهمَّ اغفر لأمهاتنا، واغفر اللهمَّ لآبائنا ، اللهمَّ اجزهم عنَّا خيرَ ماجزيتَ محسناً على إحسانه ، اللهمَّ من كان منهم حياً فمتعهُ بسمعهِ وبصره وقوته، ومن كان منهم ميتاً فاجعل مثواهُ جناتكَ جنات النعيم ، اللهمَّ وسِّع لهُ في قبره ، واجعلهُ روضةً من رياضِ الجنة ، ولا تجعلهُ حُفرةً من حُفرِ النارِ يا رب العالمين .
اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا ،وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادُنا ، وارزقنا من كلِّ خير، واكتب لنا السلامةَ من كلِّ شرٍ برحمتك يا أرحمَ الراحمين .
اللهمَّ يامن ردَّ البصر على يعقوب ، وشفا من المرضِ أيوب، وألانَ الحديدَ لداً وود، وجعل النارَ برداً وسلاماً على إبراهيم ،
اللهمَّ ياحيُّ ياقيوم، اللهمَّ ياحيُّ ياقيوم!! اللهمَّ اشف مريضنا!، اللهمَّ اشف مريضنا،! اللهمَّ اشف مريضنا،! واقبل تائبنا،! ويسِّر أُمورنا، وانصر مظلُومنا ، وأطعم جائعنا ، واكسِ عارينا ، واقضِ الدين عن المدينين ياذا الجلال والإكرام .
اللهمَّ انصر الإسلام و المسلمين في كلِّ مكان ، اللهمَّ انصرهم في فلسطين والشيشان ، وكشمير وأفغانسنتان، وفي كلِّ أرضٍ تُعبدُ فيها يا ربَّ العالمين .
اللهمَّ إنَّ ليلَ المجرمين قد طال، وقد أينعت رؤوسُ المجرمين الكافرين، اللهم قيِّض لهم من الحقِّ يداً حاصدة .
اللهمَّ لا ترفع لهم راية ، و لا تبلغهم غاية ، و اجعلهم لمن خلفهم آية ، اللهمَّ أرسل عليهمُ القوارع المُدمرة ،و الأعاصيرُ الفتاكة ، والريحُ المُهلكة، والأمراضُ المتنوعة ، اللهمَّ أشغلهم بأنفسهم عن الإسلام ، اللهمَّ أرنا فيهم يوماً أسوداً ، اللهمَّ اجعلهم يتمنونَ الموت و لايجدونهُ يارب العالمين .