فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( إنما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك ) ) ( [9] ) .
فمن نوقش الحساب عذب.
سينادى عليك كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه قال: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينة وبينة تُرجُمَان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قَدَّمَ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) ( [10] ) .
تنادى الملائكة أين فلان بن فلان؟!!
من؟!! هذا هو اسمي.
فإذا تَيَقّنْتَ أنك أنت المطلوب،قرع النداء قلبك فاصفر لونك وتغير وجهك وطار قلبك، وقد وُكّلَت الملائكة بأخذك أمام الخلق أجمعين، على رؤوس الأشهاد، ويرفع الخلائق جميعا أبصارهم إليك وأنت في طريقك للوقوف بين يدي الملك تتخطى الصفوف يا عبد الله.
وأسألك بالله أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب.
تتخطى صفوف الملائكة، صفوف الجن وصفوف الإنس، في أرض المحشر لترى نفسك واقفا بين يدي الحق جل جلاله ليكلمك الله لتعطى صحيفتك!!
هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها؟! ذكرك الله إياها، وكم من معصية قد كنت أخفيتها؟! أظهرها الله لك وأبداها!!!
فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك، فإن كان العبد من أهل السعادة ممن رضي الله عنهم في الدنيا والآخرة ـ اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين ـ أعطاه الله كتابه بيمينه وأظهر له في ظاهر الكتاب الحسنات، وفي باطنه السيئات فيأمر العبد أن يبدأ فيقرأ السيئات فيصفر لونه ويتغير وجه وترتعد فرائصه.
فإذا ما أنهى قراءة السيئات وجد في آخر الكتاب، هذه سيئاتك قد غفرتها لك، فيتهلل وجهه ويسعد سعادة لا يشقى بل لن يشقى بعدها أبداً ويواصل القراءة حتى إذا ما وصل إلى آخر الكتاب قرأ الحسنات فازداد وجهه إشراقاً وازداد فرحاً وسروراً وقال له الملك جل جلاله: انطلق إلى أصحابك وإخوانك ـ أي من أهل التوحيد والإيمان - فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت فينطلق وكتابه بيمينه والنور يشرق من وجهه ومن أعضاءه يقول لأصحابه وخلاَّنه: ألا تعرفونني؟! فيقولون: من أنت لقد غمرتك كرامة الله؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان انظروا هذا كتابي بيميني اقرأوا كتابيه اقرأوا هذا الكتاب معي، شاركوني الفرحة والسعادة، انظروا هذا توحيدي وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذه صدقتي، وهذا حجي، وهذا قيامي الليل، وهذا إحساني، وهذا برى بوالدي، وهذا إحساني للأهل والجيران، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهيي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة والنميمة، وهذا بعدي عن ظلم العباد: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19ـ24] .
أما إذا كان من أهل الشقاوة - أعاذنا الله وإياكم من ذلك - ممن غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة، ينادى عليه أين فلان بن فلان؟!! وسبحان الله! من لا تختلف عليه الأصوات ولا تشتبه عليه اللغات ولا تشتبه عليه الأسماء والصفات.
أين فلان بن فلان؟! مَنْ..هذا هو اسمي ماذا تريدون يا ملائكة الله؟!
هلم إلى العرض على الله جل وعلا فيتخطى الصفوف ليرى نفسه بين يدي الله فيعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره.
فيقرأ فيسود وجهه ثم يكسى من سرابيل القطران ويقال له: انطلق إلى من هم على شاكلتك فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت، فينطلق في أرض المحشر وقد اسود وجهه وعلاه الخزي، والذل والعار، وكتابه بشماله أو من وراء ظهره فينطلق فيقول لخلانه ومن هم على شاكلته: ألا تعرفونني؟! فيقولون لا إلا أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟!!
فيقول: أنا فلان بن فلان وهذا كتابي بشمالي ولكل واحد منكم مثل هذا، فلقد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً.
يصرخ بأعلى صوته ويقول: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ لْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:25-37] .
ولله در القائل:
مَثِّلْ وقوفك يوم العرض عُريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانَا
والنار تلهب من غيظٍ ومن حنقٍ على العصاةِ ورب العرش غَضبانَا
اقرأ كتابك ياعبدُ على مَهَل فهل ترى فيه حَرفاً غيرَ مَا كاناَ
فلما قرأتَ ولم تنكر قراءتَهُ إقرارَ من عرَفَ الأشياءَ عرفانَا
نادى الجليل خذُوهُ يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عَصَى للنار عطشانَا
المشركون غداً في النار يَلتَهبُوا والمؤمنون بدارِ الخلدِ سُكَّانَا
وأخيراً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
وأرجئ الحديث إلى ما بعد جلسة الاستراحة.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه. اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه وكل من اقتفى أثره إلى يوم الدين...
أما بعد:
ثالثاً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا:
أيها الأحبة الكرام: هذه صورة مصغرة على قدر جهلي أقدمها لحضراتكم عن الحساب، ولك أن تعيش بقلبك وكيانك كله هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب، فإنه لا يتأثر بموعظة ولا يستجيب لآية أو حديث إلا من كان له قلب.
قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] .
أيها الأخ الكريم حاسب نفسك قبل أن تحاسب بين يدي مولاك يوم لا ينفع الندم ولا التحسر.
روى الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يوم لا تخفى منكم خافية فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا"فحاسب نفسك واعلم بأن النفس أمارة بالسوء ولقد فصلت ذلك في خطبة كاملة.
لقد وصف الله النفس في القرآن بثلاث صفات ألا وهى: المطمئنة واللَّوامة والأمَّارة بالسوء.
المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولاً
هي التي اطمأنت إلى وعد الله ووعيده.
هي التي اطمأنت إلى ذكر الله وعبوديته.
هي التي تشتاق دوماً للقاء الله سبحانه.
اللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر.
تلوم صاحبها على الخير فتقول: لماذا لم تكثر منه؟!!
وتلوم صاحبها على الشر فتقول: لماذا وقعت فيه؟!! لماذا تسوف التوبة؟!! لماذا تتأخر عن الصلاة في بيوت الله؟!! إلى متى وأنت على هذا الضلال والبدع؟!!
تلوم صاحبها على الخير والشر معاً.
أما النفس الأمارة بالسوء: فهي التي تريد أن تخرجك من طريق الهداية إلى الغواية، من طريق النعيم إلى طريق الجحيم، من طريق السُّنة إلى طريق البدعة. من طريق الحلال إلى طريق الحرام.