والعجلة في إصدار الأحكام مدحاً أو ذماً دون دراية وتريث وتبين، والعجلة في الإفتاء أو رد الفتوى قبل معرفة الدليل. والعجلة في الوصول إلى الثمرة وإدراك الغاية، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.والعجلة في إصلاح الناس وتغيير واقعهم.والعجلة في الدخول في مجابهات قبل أوانها.روى البخاري وغيره عن خباب بن الأرت رضى الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرود له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، لا تدعو لنا، فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأشماط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» .إن من واجب الدعاة أن يمضوا ولا يتطلعون إلى شيء إلا رضا الله وحمته، هذا هو الهدف الحقيقي وهذه هي الغاية وأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم إنما هو دعوة الله التي يحملونها.إن كثيراً من الشباب المتحمس يبدأ مجال الدعوة باندفاع ويسر لما يحققه من نجاح نسبي في أول مشواره مع قلة ما يواجه المبتدئ غالباً من عقبات، فيترسخ في ذهنه أن هذه الطريق كلها بهذه السهولة قريبة النتائج، فإذا ما توغل وحصل له أي نوع من أنواع الابتلاء من عدم استجابة الناس على عجل أو عدم استجابتهم البتة، أو عدم ثباتهم على الاستقامة أو عدم زوال المنكرات، فإذا ما رأى ذلك بدأ يتململ ويتذمر وينفذ صبره ويتوقف عن مواصلة الطريق. بل قد يعتقد أن هذه هي النتيجة الأخيرة، وأنه والدعاة معه قد خسروا فيتصرف تصرفات رعناء متسرعة من واقع الضغط النفسي الذي يضايقه، ظاناً أنه بذلك يحقق نصراً للدعوة لم يستطع تحقيقه بأسلوب الرفق والتودد.إن الداعي ليس مطالباً بتحقيق نصر الإسلام فهذا أمره لله، متى شاء أن يحدث حدث، لكنه مطالب ببذل الجهد في هذا السبيل فحسب { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ} .
الاستعجال مذموم عند الدعاء ففي الحديث: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي» .فكن على حذر أن تقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فتمل الدعاء وتركن إلى اليأس والقنوط، واعلم أن كل داعي يستجاب له ما دام طيب المطعم والملبس، وليعلم العبد أن في تدبير الله له كل صلاح، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وما ثقل الدعاء على قوم، إلا حينما استبطأوا الإجابة وغفلوا عن الحكمة الربانية والإرادة الإلهية.والاستعجال مذموم في طلب العلم، حينما ترى طلاب العلم قد أصيبوا بداء العجلة وسقوط الهمم ونفاذ الصبر، فأصبحت صدروهم ضيقة وهممهم ساقطة وهذيلة، لم يعد هناك صبر ومصابرة ولا جل على طلب العلم والجلوس عند ركب العلماء وملازمتهم لأخذ العلم والعمل عنهم، أصبح طلاب العلم اليوم لا يقدون على إكمال متن في أي علم من العلوم.الناس جميعاً في عجلة من أمرهم، ولذلك لجأوا إلى الاختصار، اختصار كل شيء، العلم اليوم مختصر، والدين مختصر، والعلماء مختصرون، وما لا يمكن اختصاره يلغى.ونتج عن داء العجلة داء أمر وأنكى، إنه طلب الإمامة والتصدر للفتوى والترجيح والاجتهاد، فشرعوا يناقشون الآراء والمذاهب ودخلوا في علم الخلاف بلا علم.إن العجلة في العلم مع سقوط الهمم وقلة الجلد وعدم الصبر على التلقي مع تحكم شهوة طلب الأمانة وحب الرئاسة، كل ذلك أدى على هذه الفوضى العلمية وهذا الهزال العلمي الذي عمت به البلوى اليوم. وقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل الشبر الأول تكبر، ومن دخل الشبر الثاني تواضع، ومن دخل إلى الشبر الثالث علم أنه لم يعلم.الاستعجال المذموم هو الاستعجبال في قطف الثمار وتحصيل النتائج وهذا واضح لدى الشباب الذين يغلي في دمائهم حب هذا الدين والغيرة على هذه الأمة.وسبب الاستعجال عند الشباب يعود في أكثر الأمر إلا أن كثيراً من قادة الدعوات يوهمون الشباب بأن التمكين في الأرض وبسط سلطان الدين هو قاب قوسين أو أدنى وذلك رغبة في كسبهم وإغرائهم بالعمل الدعوي، حتى إذا مرت السنين تلو السنين أدرك أولئك الشباب أن الطريق أطول بكثير مما قيل لهم فيؤدي ذلك عند أية هزة إلى الإحباط والانزواء والسلبية أو إلى تسفيه القيادات واتهامها بالقصور وتجاوز المرحلة لها ثم الاندفاع خلف قيادات شابة تفتقر في أكثر الأوقات إلى الحكمة والخبرة والعلم، والنتيجة معروفة.
وسبب ذلك أن الشيوخ لم يبصروا الشباب بطبيعة طريق الدعوة وتكاليفه ومشاقه، وإن الحل الوحيد لحالات الاستعجال على قطف الثمار قبل نضجها هو الإحاطة المبصرة بكل جوانب التغيير المنشود وآلياته، وإلا فإن كثيراً من الجهود ستكون جهاداً في غير عدد، بل ستكون أخطر على الدعوة من أعدائها.إنه ينبغي للعبد أن يتعجل الأمور أو يحلل المواقف والأحداث قبل دراستها والبحث في جوانبها متجرداً في ذلك لله عز وجل مهتدياً بالموازين والسنن الثابتة التي ذكرها الله في كتابه وعلى لسان رسوله، وإذا وفق العبد إلى هذا الفضل فإنه في الغالب يصدر عن الحق وينطق بالحق وتنشأ عنده صفتا الحلم والأناة اللتان يحبهما الله ورسوله، وكم رأينا من أناس تعجلوا أمورهم قبل أوانها فكانت نتيجتها وبالاً وشراً، وكم سئم أناس من نعمة أنعم الله بها عليهم فتعالوها وملوها وأرادوا غيرها، فلما جاءهم ما أرادوا وتعجلوا أصابهم منه ضرر ونكد وندم.لما تولى عمر بن عبد العزيز خلا به ابنه عبد الملك وقال له: ما أنت قائل لربك غداً إذا سالك فقال: رأيت بدعة فلم تمنعها، أو سنة فلم تحييها، فقال له: يا بني، أشيء حكمته الرعية لي أم رأي رأيته، فقال: لا والله بل رأي رأيته، وعرفت أنك مسؤول فما أنت قائل، فقال عمر: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير [ يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق بسبب مجحة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنه حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين.أقول هذا القول
الخطبة الثانية
أما بعد:
فإن أمر صور الاستعجال وأنكاها هي تلك التي تدفع إلى الحماسة المتهورة والعواطف غير المنضبطة والتي بموجبها تسفك الدماء وتقيل أناس أبرياء ويزعزع الأمن وتشغل الأمة عن واجباتها وإن ما تشهده البلاد هذه الأيام من أحداث مؤسفة ومواجهات أليمة هو صورة من ذلك الاستعجال المذموم لفئة من شباب المسلمين، والتي ينظرون إليها على أنها قمة الشجاعة والصبر والتحمل ولكنها والله أعلم قد تكون في أغلبها إنما نشأت من عدم الصبر على طول الطريق واستكمال جوانب الإعداد، وزاد في إذكائها ما تشهده بلاد المسلمين من أذى الأعداء، وما يلقاه المسلمون من سجن وتعذيب وتقتيل.وأمام هذه الصورة من الاستعجال المذموم، وأمام ما نشهده من أعمال دامية منكرة فإننا نقف وقفات: