يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَ لُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]
أما بعد
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
أحبتي في الله:
(( إنها حضارة العبيد ) )
هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا الموضوع في هذه الأزمة الحرجة التي تمر بها أمتنا من الأهمية بمكان وسوف ينتظم حديثي مع حضرتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية:
أولاّ: كلمات لها مغزى .
ثانياّ: حضارة العبيد .
ثالثاّ: حضارة الإسلام و الإنسانية الواحدة .
رابعاّ: حضارة الإسلام و الأخلاق الفريدة الفذة .
خامساّ: حضارة الإسلام و الرفق بالحيوان .
وأخيراّ: أمانة أطوق بها الأعناق .
أعرني قلبك وسمعك أيها الأخ المبارك فإن هذا الموضوع في هذا الظرف الحرج من الأهمية بمكان .
أولاّ: كلمات لها مغزى:
أستهل بها الحديث عن هذا الموضوع الخطير الهام وأقول لا حاضر لأمةٍ تجهل ماضيها ، ولا مستقبل لأمة تنسي فضائلها ، وإذا كان الوقوف أمام الماضي للبكاء والنحيب عليه ، هو شغل الفارغين العاطلين التافهين !! فإن ازدراء الماضي بكل ما فيه من خير ونور هو شأن الحاقدين والجاهلين !!
ومن السفه أن تنطلي علينا الآن خطط الأعداء الذين حاولوا بكل سبيل أن يحولوا بين أجيال الأمة المعاصرة وبين الماضي المشرق المجيد حتى لا تستمد الأجيال من الماضي المجيد المشرق نوراً يضيء لها طريق المستقبل وشعلة توقد شموس الحياة ، ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال .
إن كل أمة من أمم الأرض تعتز بماضيها ، ولو كان أسودَ مظلماً كظلام الليل ، وتعقد له الاحتفالات بل وتمنح أبناءها في الوظائف الرسمية العطلات والإجازات ، وإن أحق أمم الأرض بهذا الاعتزاز و الافتخار بجدارة واقتدار بل وبشهادة العزيز الغفار هي أمة نبينا المختار ، قال سبحانه و تعالي: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... [آل عمران:110] .
فَكّرْ جيداً في هذه الكلمات لتعلم أنه من الخطر العظيم أن يحال بين ماضينا المشرق وبين مستقبلنا . أسأل الله أن يجعله مستقبلاً زاهراً للإسلام والمسلمين.
ثانياّ: حضارة العبيد:
نعم إنها حضارة العبيد ، إنها الحضارة الخاوية الروح التي يمتطي جوادها الآن الرجل الغربي ، ليسوم البشرية كلها سوء العذاب ، فلقد شهدت البشرية اليوم في ظل حضارة العبيد هذه ما لا يمكن علي الإطلاق أن تجسده كلمات قواميس اللغة!!
فإن البشرية الآن تشهد من صنوف الوحشية والبربرية - في ظل حضارة الرجل الغربي الذي تقدم ليقود العالم كله في ظل تأخر أمة القيادة - ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها في عالم الغابات . ليست مبالغة ، ما عليك إلا أن تنظر إلي الواقع المرير للبشرية المنكوبة التي حادت عن منهج ربها منهج نبيها .
نعم يا أيها المسلمون إننا نقر أنه لابد للحضارة من عنصرين ألا وهما: العنصر المادي، والعنصر الأخلاقي .
ونحن لا ننكر ألبته ما وصلت إليه الحضارة الغربية في عالم المادة ، فليس من الإنصاف ولا من التعقل أن ننكر ذلك بل إننا نثبت ذلك للحضارة الغربية في عالم المادة . نقر بأن الرجل الغربي قد انطلق بعيداً بعيداً في أجواء الفضاء ، وانطلق بعيداً بعيداً في أعماق البحار والمحيطات ، وفجَّر الذرة وصنع القنبلة النووية ، وصنَّع القنابل الجرثومية ، بل وحوَّل العالم كله إلي قرية صغيرة عن طريق هذا التقدم المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات.
لا ننكر ذلك أبداً ولا نتجاهل هذا ، ولكننا علي يقين جازم - كذلك - أن الحياة ليست كلها مادة ، وإنما لابد وإن استطاع طائر جباراً أن يحلق في أجواء الفضاء بجناح واحد لا يستطيع أن يواصل طيرانه وتحليقه وإنما سيسقط حتماً لينكسر جناحه الآخر ، وإن طالت مدة طيرانه في هذا الفضاء الفسيح. فالحياة ليست كلها مادة ، بل لابد للجانب الأخلاقي من تواجد فعال في هذه الحضارة.
إن الحضارة المادية الآن التي وصلت إليها الحضارة الغربية ما استطاعت أن تمنح الإنسان - ابن هذه الحضارة - ما استطاعت أن ترتقي به إلي طهارة إنسانيته أو إلي وضاءة آدميته ، ما استطاعت أن توفر لابن هذه الحضارة راحة البال .. وانشراح الصدر .. وطمأنينة النفس .. كلا ، ما استطاعت أن تمنح الإنسان هذا كله ، بل يقف علماء النفس والطب الآن في حيرة ودهشة أمام هذه الحالات المتزايدة لعدد المصابين بالأمراض النفسية والعصبية ، وأمام هذه الحالات الهائلة للانتحار الجماعي في مثل هذه البلاد المتحضرة التي وصل فيها الإنسان إلي ما وصل إليه في جانب المادة كما تعلمون وكما ترون وكما تسمعون وصدق الله - عز وجل - إذ يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: 124 - 127]
لقد عجزت الحضارة المادية أن ترتقي بإنسانها - ابن هذه الحضارة الخاوية الروح - عجزت أن ترتقي به إلي السعادة .. إلي انشراح الصدر .. إلي راحة الضمير .. إلي طمأنينة النفس وراحة البال .. عجزت لان الروح لا توزن بالجرام ، ولا تقاس بالترمومتر ، ولا تخضع للتجارب المعملية في أحد المعامل إنما هذه الروح يعجز أي إنسان علي هذه الأرض أن يقدم لها المنهج الذي يرتقي بها ، وأن يقدم لها المنهج الذي يغذيها ، إذ لا يستطيع أن يقدم لهذه الروح منهج صلاحها و فلاحها في الدنيا والآخرة إلا خالق هذه الروح قال جل وعلا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير [الملك:14]
نعم أيها الأحبة الكرام:
الحضارة الغربية فقدت العنصر الأخلاقي ، ومن المعلوم أن سنة الله في تطوير الحياة أن الحضارة اللاحقة لابد أن تتفوق على الحضارة السابقة في الجانب المادي حتماً ، هذه سنة من سنن الله في تطوير هذه الحياة ، فمن العبث أن نطالب الحضارة السابقة بما وصلت إليه الحضارة اللاحقة في جانب التطوير المادي.
واضرب لكم مثالاً ليتضح ما أقول انظر الآن إلى الكتابة في الماضي السحيق ثم انظر الآن إلى الكتابة بعد هذا التطوير المذهل في آلات الكتابة الحديثة التي تطبع الآن عشرات الآلاف من الكلمات في الدقيقة الواحدة ، فما وصل إليه الغربي الأن إنما هو محصلة لأدمغة وعقول عشرات الأجيال، لكن محال أن ترتقي حضارة على ظهر الأرض أو أن تدوم بالعنصر المادي فقط أبداً أبداً ، بل إن الحضارة لا تسود ولا تبقي إلا بالعنصر الأخلاقي ليحدث التوازن بين هذا العنصر المادي وبين هذا العنصر الأخلاقي.