وقال الأجوري - رحمه الله - أحب لمن يقرأ القرآن أن يتحزن ويتباكى ويُخشع قلبه ، ويتفكر في الوعد والوعيد ليستجلب بذلك الحزن ألم تسمع إلى ما نعت الله به - عز وجل - من هو بهذه الصفة وأخبرنا بفضلهم بقوله: { الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } .
ثم ذمّ قوم استمعوا القرآن فلم تخشع له قلوبهم فقال جل وعلا:
{ أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون } .
ثم يبيّن الحق - جل وعلا - لنا أن هذه التلاوة بهذه الآداب ينبغي مراعاتها فذكر في سياق مدح بعض أهل الكتاب ممن ءامنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو قادهم ارتباطهم الصحيح بكتابهم إلى الإيمان بالنبي وبالإسلام قال: { الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته } .
وقد قال بعض المفسرين: إن المراد بهذا هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومرادنا ما معنى حق تلاوته ما معنى أن يُتلى حق تلاوته .
قال ابن كثير في تفسيره عن ابن مسعود ، والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يُحل حلاله ويُحرم حرامه ويقرأه كما أُنزل ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يتأول شيئاً منه على غير تأويله .
وقال ابن عباس رضي الله عنه: { يتلونه حق تلاوته يتبعونه حق اتباعه } .
وجعل التلاوة من الاتباع كما في قوله جل وعلا: { والقمر إذا تلاها } ، أي إذا تبعها .
ولابد أن ندرك أننا محتاجون إلى الارتباط بالقرآن تلاوة وترتيلاً ، وأن ذلك ولو كان قليلاً ؛ فإن القليل فيه خيرٌ كثير ، وأجرٌ كبير ونفعٌ عميم وقد ورد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه عبدالله بن عمر أنه قال: ( من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كُتب من القانتين ومن قام بألف آية كُتب المقنطيين ) رواه أبي داود في سننه بسندٍ حسن .
والله نسأل أن يردنا إلى دينه رداً جميلا وأن يجعلنا ممن يتلون القرآن حق تلاوته ويحيون به قلوبهم.
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أول واجباتنا في تجاه كتاب ربنا هو أن نقبل عليه ونتلوه ونقرأه ، ولعلنا نقف وقفة أخيرة مع التقصير والانحراف في هذا الجانب .
فأما التقصير فمشهود معروف في الانقطاع عن التلاوة وعدم الختم الذي روى النووي فيه ما كان عليه السلف فذكر أن أكثره ختم القرآن في شهرين وذكر في أقله ختمه في يوم وليلة وعدّد من كان بعض من رُوي أنه كان يختم في يوم وليلة بل عدّد وذكر بعض من رُوي أنه قد ختم في قراءته وصلاته .
والنبي - عليه الصلاة والسلام - ردّ عبد الله بن عمرو إلى ثلاثة أيام وفي رواية إلى خمسة وعلى كل حال التقصير في هذا بيّن .
وأما الانحراف فقد وقع أيضاً في مجتمعات المسلمين فصارت التلاوة للتنغيم والتطريب وصارت القراءة للاستحسان الأصوات أو للمنافسة أو لابتغاء الدنيا أو لغير ذلك من أغراض لا يتحقق بها الصلة ، ولا يقع بها التأثير وربما لا يُكتب لأصحابها الأجر فقد ورد في حديث عبد الرحمن بن شبل الذي رواه الإمام أحمد والطبراني بسندٍ صحيح عن المصطفى عليه الصلاة والسلام: ( اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه ) .
فهذه المحذورات وهذا الذي صار يتكسب به وأحياناً يُحرف القرآن في تلاوته ليوافق أهواء من يوافق من أهواء البشر تزلفاً وتملقاً ونفاقاً وغير ذلك مما قد نراه .
وفي حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( اقرءوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدح يتعجلونه ولا يتأجلونه ) .
قال أهل العلم في تفسير وشرح ذلك: يتعجلونه أي يتعجلون الأجر والمثوبة له من أهل الدنيا لطلب المال والجاه والتزلف والتقرب ولا يتأجلونه إخلاصاً لله وابتغاء لمرضاته .
وفي حديث عمران الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ( سيجيء أقوام يسألون بالقرآن - أي يجعلونه وسيلة للتكسب والسؤال وأما تعليم القرآن فقد جوّز أهل العلم أخذ الأجرة على تعليمه بشرائط وضوابط واضحة معروفة أما السؤال والتسول به فقد جاء في هذا الحديث - سيجيء أقوامٌ يسألون بالقرآن فمن سأل بالقرآن فلا تعطوه ) .
وهذا فاروق الأمة - رضي الله عنه - عمر يقول:"لقد أتى علينا حينٌ وما نرى أن أحدٌ يتعلم القرآن يريد به إلا الله فلما كان هاهنا أي في عهد عمر". يصف التغير من عهد النبي إلى عهده فيقول فلما كان هاهنا بأخرة خشيت أن رجالاً يتعلمونه يريدون به الناس وما عندهم فأريدوا الله بقرآنكم وأعمالك .
فنسأل الله - عز وجل - أن يُعيذنا من هذا الظلام والزيغ ، ونسأله - عز وجل - أن يجعل قلوبنا مقبلة على كتابه تدبراً وتأملاً وتغيراً وتأثرا ونسأله - عز وجل - أن يشغل ألسنتنا بذكره وتلاوة كتابه .