بل انظر إلى ما هو أعظم من ذلك وأجلى .. { لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } .. { ولو أن قرآناً سُيرت به الجبال أو قُطعت به الأرض أو كُلم به الموتى } والتقدير لكان هذا القرآن هو الذي يُحدث مثل هذا الأثر ، فكيف لا تتأثر به قلوب ءامنت بربها ، وأسلمت لمولاها ، واتبعت رسولها ، ورضيت هذا الإسلام ديناً لها .. كيف لا يحصل هذا الأثر ؟ إننا قد انقطعنا عن التلاوة وانقطعنا عن الأسباب المؤدية لهذا التأثير فكيف حينئذٍ نشكو انعدام الأثر ونحن لم نبدأ بإيجاد المؤثر ؟ الذي يتأمل ينظر إلى هذا فيعرف ما ينبغي أن تكون عليه التلاوة .
وننتقل إلى الأدب وإلى الأداء الذي ينبغي أن يكون في تلاوة القرآن لندرك أننا بهذا نُحصّل بإذن الله - عز وجل - الأجر ويتحقق لنا الأثر .
فأول ذلك: الترتيل
قال عز وجل: { ورتل القرآن ترتيلا } .
وجاء القوم أرتالاً أي بعضهم إثر بعض أي شيئاً فشيئا .
وهذه أم سلمة نعتت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود وغيره نعتت قراءته أي وصفتها ، فنعتت قراءة مفسرة حرفاً حرفا .
أي أنه كان يتلو القرآن بتؤدة وتأني وترتيل ، حتى كأنك تسمع كل حرفٍ وحده وتميزه عن غيره.
وهذا أنس كما في البخاري سُئل رضي الله عنه عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
( كان يمد مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم) .
فمدها رضي الله عنه وأرضاه ليبيّن كيفية قراءة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - .
وعندما ننظر أيضاً إلى ما اتفق عليه الشيخان من رواية ابن مسعود أن رجلٌ جاء فقال: قرأت المفصلة في ركعة ، فقال ابن مسعود: هذاً كهذ الشعر - أي سرعة وتتابع من غير ترتيل وحُسن تلاوة - هذاً كهذّ الشعر ، إن أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوز تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فيرسخ فيه نفعٌ .
فهذا هو الذي يُقصد به الترتيل يُقصد به التوقير والإجلال للقرآن وحصول فرصة التدبر والتأمل ومن بعد ذلك حصول فرصة التغير والتأثر بهذا القرآن .
ومن هنا قال ابن عباس كما ذكر النووي في التبيان قال:"لئن أقرأ سورة أُرتّل فيها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله". أي من غير ترتيل وحُسن تلاوة .
وهذا ابن مسعود يروي عنه الأجوري في آداب حملة القرآن أنه قال:"لا تنثروه نثر الدقل - وهو رديء التمر- ولا تهذوه هذّ الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة".
إذا أردنا الأثر فلابد من اتباع الطريقة الصحيحة .
وأيضاً مع الترتيل التحسين ، وهو تزيين القرآن بالصوت الحسن والحرص على تحسين الصوت وتحسين الأداء مع هذا الترتيل .
قال النووي رحمه الله:"أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن".
وفي هذا أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة عند الشيخين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: ( ما أذن الله لشيءٍ ما أذِن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به ) .
وفي حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - لأبي موسى الأشعري أنه قال: ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) .
وثناءه على حُسن صوته دليل على استحبابه وعلى الترغيب فيه ، قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية مسلم:
( لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك - جذب حُسن صوت أبي موسى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف يُنصت ويستمع - فقال أبو موسى: أما لو علمت أنك تسمعني لحبّرته لك تحبيراً ) . أي لبالغت في تحسينه وتجويده وتزيينه .
وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البراء عند الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( زيّنوا القرآن بأصواتكم ) .
مع التحرّز مما ليس مشروعاً من التغني الذي يخرج عن حد التلاوة وآدابها وضوابطها وقواعدها وغير ذلك .
ومع الترتيل والتحسين يأتي التحزين ، وهو من الأمور المهمة التي تتحرك بها القلوب وتتهيّج بها النفوس ، وفي هذا يأتينا تذكيرٌ بقول الله عز وجل: { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } .
ورُوي عن أبي صالح أن قوماً من أهل اليمن قدموا على أبي بكر في خلافته فجعلوا يقرئوا القرآن ويبكون فقال أبو بكر:"هكذا كنا".
وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يُخبرنا عن ذلك ، ويبيّن علي رضي الله عنه تغير الناس في ذلك في روايات كثيرة وأحداث عديدة .
وقال الغزالي فيما نقله النووي عنه البكاء مستحب مع القراءة وعندها وطريقته في تحصيل ذلك أن يُحضر في قلبه الحزن لئن يتأمل ما فيه من الوعد والوعيد والتهديد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في ذلك ؛ فإن لم يحضره حزن وبكاء فليبكي على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب .