ويونس التقمة حوت في لجج البحر وظلمائه فلجأ إلى مولاه وألقى حاجته إليه لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] ، فنبذ وهو سقيم في العراء، ومضى مجرداً في الخلاء.
وأم موسى ألقت ولدها موسى في اليم ثقة بالله امتثالاً لأمره, فإذا هو رسول من أولي العزم المقربين.
ويعقوب قيل له إن ابنك أكله الذئب ففوض أمره إلى الله وناجاه, فرده عليه مع أخيه بعد طول حزنٍ وفراق.
ولما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال من مريم عليها السلام عظم التوكل على ذي العظمة والجلال, ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال, فأشارة إليه فقالوا لها: كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيّاً [مريم:29] ، فعندها أنطقه الله فقال: إِنّى عَبْدُ اللَّهِ ءاتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً [مريم:30] .
ونبينا محمدٌ يتوارى مع صاحبه عن قومه في جبل أجرد في غارٍ قفرٍ مخوف, فبلغ الروع صاحبه, فقال: يا رسول الله، والله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال الرسول وهو واثق بربه: (( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ) (6) [6] ، فأنزل الله تأييده ونصره وأيده بجنودٍ لا ترى، فسكن الجأش وحصل الأمن وتمت الهجرة وانطلقت الرسالة.
وإذا تكالبت عليك الأيام وأحاطت بك دوائر الابتلاء فلا ترجُ إلا الله، وارفع أكف الضراعة, وألقِ كنفك بين يدي الخلاق, وعلق رجاءك به, وفوض الأمر للرحيم، واقطع العلائق عن الخلائق، ونادِ العظيم, وتحرّ أوقات الإجابة كالسجود وآخر الليل.
وإذا قوي التوكل والرجاء وجُمع القلب في الدعاء لم يرد النداء أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء [النمل:62] .
فسلم الأمر لمالكه، والله عزيز لا يضل من استجار به, ولا يضيع من لاذ بجنابه.
وتفريج الكربات عند ثناء الكرب, واليسر مقترن بالعسر، وتعرف على ربك في الرخاء يعرفك في الشدة، وحسبنا الله ونعم الوكيل قالها الخليلان في الشدائد، ومن صدق توكله على الله في أصول شيء ناله ومن فوض أمره إليه كفاه ما أهمه، ومن حقق التوكل لم يكله إلى غيره, بل تولاه بنفسه وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] ، وعلى قدرك حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه, فجالس ربك وحده مرجع شكواك، قال الفضيل رحمه الله:"والله لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئاً لأعطاك مولاك ما تريد".
وهو سبحانه القدير لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، وَتَوكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ [الشعراء:217-219] .
قال إبراهيم الخواص:"ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحدٍ غير الله".
ومن تعلّق بغير الله أو سكن إلى علمه وعقله ودوائه وكماله, واعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى ذلك وخذله، قال في تيسير العزيز الحميد:"وهذا معروف بالنصوص والتجارب".
وأرجح المكاسب الثقة بكفاية الله وحسن الظن به، وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن ظن أنه ينال ما عند الله بمعصيته ومخالفته كما ينال بطاعته والتقرب إليه, أو ظن أنه إذا ترك شيئاً من أجله لم يعوضه خيراً منه، أو ظن أن من فعل شيئاً لأجله لم يعطه أفضل منه، أو ظن أنه إذا صدقه في التوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله فقد ظن بالله ظن السوء، ولا يسلم من هذا إلا من عرف الله, وعرف أسماءه وصفاته, وعرف موجب حكمته وحمده.
قال ابن القيم:"أكثر الخلق, بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق وظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه يستحق فوق ما شاءه الله له، ومن فتش في نفسه وتغلغل في معرفة طواياها رأى ذلك فيها كامناً فليعتنِ اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره في كل وقت من ظنه بربه ظن السوء, وليظن السوء بنفسه" (7) [7] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ اله إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً [المزمل:8، 9] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: أيها المسلمون، لا يستقيم توكل العبد حتى يصح توحيده، وعلى قدر تجريده التوحيد يكون صحة التوكل، ومتى التفت العبد إلى غير الله أخذ ذلك شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله بقدر ذهاب تلك الشعبة، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالخلق لم تسد فاقته، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده.
والرضا والتوكل يكتنقان المقدور، فالتوكل قبل وقوعه والرضا بعد وقوعه، والرضا ثمرة التوكل, وروح التوكل التفويض, وإلقاء أمورك كلها إلى الله، يقول داود بن سليمان رحمه الله:"يستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر فيما قد فات", وكلما كان العبد لله أعرف كان توكله عليه أقوى، وقوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه.
ومن توكل على الله فلا يعجل بالفرج، فالله ذكر كفايته للمتوكل عليه, وربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل، فالله جعل لكل شيء قدراً ووقتاً، فلا يستعجل المتوكل, فيقول قد توكلت ودعوت فلم أرى شيئاً, إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً [الطلاق:3] ، والله هو المتفرد بالاختيار والتدبير وتدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه, وهو أرحم به منه بنفسه.
(1) أخرجه البخاري في الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره.. (5705) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ومسلم في الإيمان (218) ، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(2) في صفة القيامة والرقائق والورع، باب: منه (2516) ، وكذا أحمد (4/409-410) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح". قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460-461) :"روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة، وأصح الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2043) .
(3) في الطب، باب: ما جاء في كراهية التعليق (3072) ، وكذا أحمد (4/310) ، والبيهقي في الكبرى (9/351) ، والطبراني في الكبير (22/385) ، من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه. قال الترمذي:"وحديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم".
(4) مجموع الفتاوى (10/257) .
(5) في (1/30) ، والترمذي في الزهد، باب: في التوكل على الله (2344) ، وابن ماجه في الزهد، باب: التوكل واليقين (4164) . قال الترمذي:"حديث حسن صحيح". وصححه ابن حبان (730) ، والحاكم (4/318) ، والضياء في المختارة (227، 228) ، والحافظ في الفتح (11/306) ، والألباني في الصحيحة (310) .