فهرس الكتاب

الصفحة 9048 من 9994

أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وطهروا قلوبكم من الآثام والذنوب فإن آثام القلوب دقيقة خفية حتى إن كثيراً من المتنزهين عن الكبائر والآثام الحسية من الزنى وشرب الخمر وغيرهما يتورطون في ألوان من الكبائر القلبية مثلها أو أعظم منها ولا يخطر ببال أحدهم أنه مريض القلب، سقيم الفؤاد فضلاً عن أن يتوب منها أو يقلع عنها وما ذاك إلا لخفائها وغفلة الناس عنها. فكم هم أصحاب القلوب المريضة بالعجب والرياء وكم هي القلوب المشحونة بالغل والحسد والحقد وكم هي الأفئدة التي بليت بمحبة غير الله تعالى وخوف غيره أو الاغترار به سبحانه أو سوء الظن به إنها والله كثيرة.

ومن ينج منها ينج من ذي عظيمة و إلا فإني لا إخالك ناجيا

أيها المؤمنون إن خطايا القلوب وآثامها خطيرة عظيمة فالقلب سيد الجوارح وهو المتصرف فيها والجوارح تابعة منقادة له تكتسب استقامتها وضلالها منه ويشهد لذلك وينطق به ما أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعاً: (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) (1) .

عباد الله إن من الآفات الكبار والآثام العظام التي غزت قلوب كثير من الناس وأفسدتها وصرفتها عن صحتها واستقامتها تعلقها بغير الله تعالى واعتمادها على غيره في جلب المنافع ودفع المضار واستعانتها وركونها إلى غير الله تعالى وكل هذه الأمراض تدل على ضعف إيمان صاحبها فإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه فانظر يا عبد الله إلى إيمانك فإنه كلما قوي إيمانك بالله كان توكلك عليه أقوى فإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل وإذا كان التوكل على الله ضعيفاً فهو دليل على ضعف الإيمان ولابد، قال الله تعالى: ?وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? (2) فجعل سبحانه التوكل شرطاً في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل وقال في آية أخرى: ?وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ? (3) فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وجعل سبحانه التوكل من أخص صفات المؤمنين قال تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ? (4) قال ابن كثير رحمه الله:"أي لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه ولا يطلبون حوائجهم إلا منه ولا يرغبون إلا إليه ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه المتصرف في الملك لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ولهذا قال سعيد بن جبير:"التوكل على الله جماع الإيمان"انتهى كلامه رحمه الله."

قال ابن القيم رحمه الله:"فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده بل حقيقة التوكل توحيد القلب فمادامت في القلب علائق الشرك فتوكله معلول مدخول وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة"فيا ليت شعري كم نقص من إيمان وتوحيد أولئك الذين ركنت قلوبهم إلى ما يجري لهم من الرواتب والأجور من الدولة وغيرها أم ليت شعري ما حال أولئك الذين تعلقت قلوبهم بالأطباء والقراء في حصول الشفاء وزوال الداء أم ليت شعري كيف توكل أولئك الذين جابوا الفيافي والقفار وقطعوا الصحاري والبحار يلاحقون السحرة والمشعوذين والدجالين والمحرفين يطلبون منهم رفع البلاء أو دفعه أين هؤلاء جميعاً من قوله تعالى: ?وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً? (5) .

أيها المؤمنون إن التوكل على الله تعالى الذي هو صدق الاعتماد عليه سبحانه في جلب المنافع ودفع المضار وعدم الالتفات إلى الأسباب من أجل القربات وأشرف الطاعات حتى قال بعضهم: التوكل نصف الدين والإنابة نصفه الثاني قال الله تعالى: ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ? (6) وهذه الآية جماع الدين والتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة وللتوكل على الله تعالى فوائد عديدة كثيرة منها: أن الله سبحانه وتعالى جعل التوكل عليه سبباً لحصول المطلوب واندفاع المرهوب قال ابن القيم رحمه الله: ?وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ? (7) أي كافي من يثق به في نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه وأقلقه وكلما كان العبد حسن الظن بربه حسن الرجاء له صادق التوكل عليه فإن الله تعالى لا يخيب أمل آمل صادق ولا يضيع عمل عامل مخلص لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد والترمذي بسند جيد عن عمر مرفوعاً: (( لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً ) )أي تذهب في الصباح جائعة (( وتروح بطاناً ) ) (8) أي ترجع في المساء شبعة. وقد أجاد من قال:

توكل على الرحمن في كل حاجة أردت فإن الله يكفي ويقدر

ومن فضائل التوكل وفوائده أنه يكسب العبد قوة لا يحصلها بغيره قال بعض السلف:"من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى فإن القوة مضمونة للمتوكل والكفاية والحسب والدفع عنه حاصل له ولذا كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أقوى الخلق إيماناً وأصلبهم ثباتاً وأرسخهم يقيناً وأصلبهم مراساً ولأتباعهم الصادقين وورثتهم العاملين نصيب من ذلك كله فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما قال لهم الناس: ?الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ? (9) ومن مزايا التوكل وفضله أن المتوكل موعود بأجر عظيم وفضل كبير ففي الصحيحين في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان من هم: (( هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ) ) (10) ."

هذه أيها الأخوة بعض فضائل التوكل ولو لم يكن فيه إلا أن أهله هم أحباب الله لكفاه فضلاً ومنقبة قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? (11) قال الغزالي رحمه الله:"فأعظم بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه ومضمون بكفاية الله تعالى مُلابسه فمن الله تعالى حسبه وكافيه ومحبه ومراعيه فقد فاز الفوز الكبير فإن المحبوب لا يعذب ولا يبعد ولا يحجب".

أيها المؤمنون إنه لا منافاة بين التوكل الصادق وبين الأخذ بالأسباب فهذا نبيكم صلى الله عليه وسلم إمام المتوكلين وسيدهم كان يأخذ بالأسباب فقد ظاهر يوم أحد بين درعين وكان يدخر قوت أهله سنة وهو سيد المتوكلين. فالواجب على المؤمن الصادق أن يتوكل على الله تعالى بقلبه وذلك بأن يعلم ويؤمن بأن الله تعالى كافيه وأنه سبحانه يقوم بما توكل عليه فيه حق القيام وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك فإنه سبحانه كفى به وكيلاً وعليه مع هذا أن يأخذ بالأسباب التي جعلها الله تعالى سبيلاً لتحصيل الغايات وطريقاً لكسب المقاصد والمبتغيات فاسألوا الله من فضله وعلقوا قلوبكم به فإنه لا يأتي بالخير إلا هو ولا يرفع الشر إلا هو.

الخطبة الثانية

أما بعد. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت