ثَلاَثَ عَشْرةَ سنة, والنبيُّ الصابرُ المحتسبُ, يدعو إلى كلمةٍ واحدةٍ, والتي لا قيمة لكل الكلماتِ بدونها..
يدعو إليها أهَلَهُ وعشيرته.. وقَوْمَهُ وقبيلته.. فقامت عليه الجاهليةُ ولم تقعد, وتصدى له أقربُ الناس إليه, فضلاً عن غيرهم , وعُذِّب هو وأتباعهُ, أقسى أنواعِ العذابِ , فأدميتْ قدمَاهُ الشريفتان, وشجَّ رأسهُ, ووُضعَ سلى الجزورِ بين كتفيهِ, وهو ساجدٌ, واتُهم بالسحرِ, والشعوذةِ, والجنون..
ووُضعتْ الصخورُ الحاميةٌ, فوق صدرِ بلال.. وقُتلتْ سمية.. وعذبَّ عمارٌ, وخباب..!
كلُ ذلك, من أجلِ لا إله إلا الله كلمةِ التوحيدِ العظيمة, الذي ظنَّ كثيرٌ من السُّذجِ, والمغفلين اليوم, بأنها كلمةٌ تُقالُ فحسب, وما عَرَفَ أولئك أنها كلمةٌ قامت من أجلِها السمواتُ والأرض, وصَلَحَ عليها أمرُ الدنيا والآخرةِ, كلمةٌ أُسستْ من أجلِها الملة ونُصبتْ لها القبلةُ, وجردت لها سيوفُ الجهاد..
إنها الكلمة التي غيرتْ مسارَ التاريخِ, وحولتْ أمماً وشعوباً, من حالٍ إلى حال, والتي لا يمكنُ إحداثُ تغييرٍ آخر, إلا بغرسِها في النفوسِ, وتثبتها في القلوبِ مرةً أُخرى.
إنَّ معناها العظيمُ, يقضي من قائِلِها, تحقيقُ العبوديةِ الخالصةِ لله وحده, في كل ما يأتي ويذر!
إنَّ معناها: أن أُقرُّ واعترفُ, بأن للهَ تعالى هو المتفردُ بالألوهيةِ والوحدانيةِ, فلا إلهَ بحقٍ سواه, ولامعبودَ بصدقٍ إلا إياه!
وأنَّ مقاليدُ السمواتِ والأرض بيده فلا مَلَكَ, ولا وليَّ, ولا مدبر ولا متصرف إلا الله, وأنه الحاكمُ لامعقبَ لحُكمِه, ولا شريكَ له في ملكهِ, ولا ينفُذُ إلا أمره..
ولا أعترفُ إلا بشرعهِ, ولا أخضعُ إلا لقولهِ ولا أتوكلُ إلا عليه, ولا أخافُ إلا منه, ولا أذبحُ إلا له, ولا أدعوْ إلا إياه ولا أرجو أحداً سواه, وأنا أرفضُ كلَّ نوعٍ من أنواعِ العبودية, والطاعة والخضوع لغيرِ الله, ولا أخضعُ لدستورٍ, ولا نظامٍ, ولا قانونٍ, ولا تشريعٍ إلا إذا وافق شَرْعَ اللهِ وأمرهِ.. جل ثناؤه, وتقدست اسماؤه, فأنا مؤمنٌ باللهِ وحَدَه , كافرٌ بكلِّ الطواغيتِ والآلهةِ من دونهِ, فهل تسمعُ الدنيا هذا الكلام؟!
ولما عَرَفَ الجاهليون الأوائل, عِظَم الكلمةِ, التي جاء بها محمدٌ r, وأنها تعني كلَّ ذلك, حارَبوهَا بضراوةٍ, وقاتَلوهَا بوحشيةٍ, فكل من شَعَرَ بخطورةِ تلك الكلمةِ على مصالحهِ, وَقَفَ أمامها وَقْفَة الأسدِ, واستَمَاتَ في الصد عنها, والتنديدِ بخطرها..
فقد أحسَّ الكهنةُ, والمشعوذون بخطورتِها على كِهانتهم وشعوذتهم, وأنها ستفرقُ الناسَ من حولهم, فكشَّروا عن أنيابهم وأعلنوا الحرب عليها, ورأى رؤساءُ العشائِر, أنَّ هذه الكلمةُ, ستقوضُ سلطَتَهم من القواعد, فهبوا للدفاع عن سلطتِهم, ومكانتِهم المهددة..
وكذلكَ أحسَّ الرأسماليون, والانتهازيون, بخطرٍ يهددُ مكاسبَهم الخبيثةَ, وأرصدتِهمُ الحرام, فاستشاطوا غضباً, وحنقاً, وتدافعوا يذودون بكل قواههم, عن تلك المكاسبِ الباطلة..
وكذلك أحسَّ بالخطرِ, عُبَّادُ القوميةِ الذين تعصبوا لقومياتِهم, وعصبياتِهم, وعبَدَوا التقاليدَ, والعادات, كما أحسَ بالخطر كذلك عُبَّادُ الشهواتِ والأهواءِ!!
وبالجملة أحسَّ عُبَّادُ تلكَ الأوثانِ والأصنامِ والأنداد, على اختلافِ أشكالِها ومسمياتها, بخطورةِ كلمةِ التوحيد, على مصالحِهم, وأطماعِهم, وتوجهاتِهم, فاتحدوا جميعاً لحربها, وحربِ حامل لوائها محمدٍ عليه الصلاة والسلام , وعَقَدوا العزمَ على مقاومته, ووضعِ العراقيلِ في طريقهِ, والنبيُ r, ماضٍ قُدماً, في طريقهِ المليئةُ بالأشواكِ, واتباعُه صابرون محتسبون, حتى أَذِنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينة, ليقيم دولةَ الإسلامِ العظيمة, على تقوى من اللهِ, ورضوان, ثم يعودُ بعد سنواتٍ قليلةٍ إلى مكةَ فاتحاً منتصراً, محطماً لأصنامها, وأوثانها, مقوضاً للجاهليةِ من القواعدِ حاملاً التوحيدَ العظيم, إلى أمِ القرى بعد أن ذاقتْ مرارةَ الوثنيةِ, واكتوتْ بنارِ العبوديةِ لغيرِ اللهِ زماناً طويلاً, فكانت بعثته عليه السلام أعظمَ مِنَّه وأجلَّ نعمةً, أظهرَ اللهُ به دينهُ, وأعزَّ به جُنده.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) )]التوبة:33[.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم, واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
فقد تبين فيما تقدم, أنَّ الشغلَ الشاغل, الذي استحَوََذ على تفكير النبي r واهتمامِه, طيلةَ العهدِ المكي على وجه الخصوص, هو تصحيحُ العقيدةِ في النفوسِ, واستنقاذُ الجموعِ الهائلةِ, من مستنقعِ الشركِ, وإعادتُها إلى الحنفيةِ السمحاء. وهذا المنهجَ الذي سار عليه النبي r, هو ذاتُ المنهجِ الذي سار عليه كلُ الأنبياءِ من قبله, فما من نبيٍ قَبَلَه إلا ودعا قوَمَه إلى التوحيد أولاً..
فقد قال نوحٌ لقومه: (( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) )]الأعراف: 59[, وقال نفس العبارة هودٌ, وصالحٌ, وشعيب, وغيرهم من الأنبياء.
ومن هنا نُدركُ, أنَّ أيَّ صلاحٍ ننشدهُ لأُمتنا, وأيَّ محاولةٍ لاستنقاذِها من تخلُفِها وانحطاطِها, لا يمكن أن يتحققَ له النجاحُ المطلوبُ, مادام التوحيدُ ضائعاً, والعقيدةُ ممتهنةً ؛ واليوم تعجُ مجتمعاتُ المسلمين في طولِ العالمِ الإسلامي, وعرضه, بالأوثانِ والآلهةِ الباطلةِ, فلا تكادُ تجدُ بلداً إسلامياً واحداً - إلا ما رحم ربي - إلا وقدْ انتشرتْ فيه الوثنيةُ, وعمت فيها مظاهرُ الشركِ, وأوضحُ تلك المظاهرِ, من مظاهرِ الوثنية عبادةُ القبورِ والأضرحةِ, والمزارات, ودعاءُ الأمواتِ, والأولياء, من دون الله تعالى فتجدِ الناسَ زرافاتٍ ووحداناً, يطوفون بالقبورِ, والأضرحة, ويتمسحون بها ويتوسلون بالأمواتِ, في تفريجِ الكرباتِ, وشفاءِ المرضى, ورد الغائبين وذُبحتْ لتلك القبورِ القرابينُ, والذبائح, ونُذرتْ لها النذورُ, وقَصَدَها الناسُ من كلِ حَدَبٍ, وصوب.
وكلُ ذلك من الشركِ الأكبرِ, الذي يستوجبُ الخلودَ في النارِ, أبد الآباد (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) ) (النساء:48) .
(( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) )] المائدة:72[.