فهرس الكتاب

الصفحة 4568 من 9994

وعند قوله تعالى (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن ْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) ، أقرب الناس للإنسان بالسبب هي الزوجة، وأقرب الناس للإنسان بالنسب هو الولد، ونوح عليه السلام لم يؤمن أبنه ولم تؤمن زوجته.

هل نقول أن نوح عليه السلام بعد دعوة تسعمائة وخمسين سنة لم ينتصر لأن ابنه لم يؤمن ولأن زوجته لم تؤمن ولأن قومه لم يؤمن منهم إلا قليل.

(وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) .

سفينة، ولنفترض أنها عابرة للقارات، وليت كل الذين فيها بشر:

(قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ، فيها الدواب والحيوانات، فكم يبقى فيها مكان للإنسان؟

ومع ذلك فنوح عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وقد انتصر انتصارا عظيما باهرا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

المثل الثاني أنبياء الله هود ولوط وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام .

فقد انتصروا مع أن قومهم إهلكوا.

عندما أضرب لكم هذه الأمثلة لأن الواحد منا أحيانا وبسبب تحسره على عدم استجابة الناس وتأخر النصر قد يستعجل أو ييأس.

وفي قصة عبد الله الغلام ومن آمن معه، هو قتل والذين أمنوا معه قتلوا بل حرقوا بالنار، هل نقول أنهم لم ينتصروا! بل إنهم انتصروا أعظم الانتصار.

أيضا أصحاب القرية، تصوروا قرية صغيرة، كم يرسل الله جل وعلا لها من الرسل؟

داعية! لا، بل ثلاثة من الرسل:

(إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) .

ومع ذلك قرية واحدة كذبت الرسل الثلاثة فجاءهم رجل:

(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) .

فماذا فعلوا به؟ قتلوه أيضا، فماذا كانت النتيجة؟

(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) ..

قرية واحدة يرسل لها ثلاثة من الرسل وداعية رابع ولم يستجيبوا، فهل نقول أنهم لم ينتصروا! كلا وحاشا.

إذا هذه بعض الأمثلة من كتاب الله، أما الأحاديث فأقف معكم مع بعض هذه الأحاديث.

الحديث الذي كلنا يحفظه وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عرضت علي الأمم فأخذ النبي يمر معه الأمة والنبي يمر ومعه العشرة، والنبي يمر ومعه الخمسة والنبي يمر وحده.

وفي رواية: قال عرضت علي الأمم فجعل النبي يمر ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي ومعه الرهط والنبي وليس معه أحد.

وفي رواية: عرضت علي الأمم فجعل النبي يمر ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجلان والنبي وليس معه أحد.

أرأيتم هذا النبي الذي معه رجل والنبي الذي معه عشرة والنبي الذي معه خمسة والنبي الذي ليس معه أحد، فهل نقول أنه لم ينتصر! كلا وحاشا.

إذا نحتاج إلى وقفة مع هذا الحديث، أذكر أن أحد طلاب العلم هداه الله أقنعه عدد من زملائه وإخوانه ببدء درس في مسجد من المساجد، وبدأ الدرس وبعد عدة أشهر فوجئنا أن الدرس قد توقف.

فذهبت لزيارته وقلت له: يا شيخ يا أخي الكريم لماذا أوقفت الدرس؟

قال: ما يأتي أحد، قلت: ما يأتي حد؟ قال: ما يأتي إلا عشرة.

قلت: يا أخي الكريم النبي يأتي يوم القيامة وما معه إلا واحد بل والنبي وما معه أحد.

إن عددا من علمائنا ظلوا سنوات ليس عندهم إلا طالب واحد أو طالبين أو ثلاثة، سنوات طويلة.

بل ذكر لي أحد الأخوة أنه يجلس أحيانا ولا يأتي أحد إلى الدرس، وأستمر في درسه، ويحضر الآن درسه بضعة آلاف، نعم والقضية ليست بالعدد، النبي ليس معه إلا واحد أو اثنين أو ثلاثة أو ليس معه أحد ونحن نريد أن يكون معنا الآلاف وإلا نعتبر أننا قد فشلنا ولم ننتصر.

والحديث الآخر الذي وعدتكم قبل قليل وهو حديث خباب، قال:

شكونا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا أو تدعو لنا. فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الذئب والله على غنمه ولكنكم تستعجلون.

هذا الحديث حديث عظيم، الرسول (صلى الله عليه وسلم) نقال خباب حين قال ألا تستنصر لنا، نقله من نوع من أنواع النصر إلى نوع آخر حتى لا يبقى خباب رضي الله عنه أو غيره يتصورون أن النصر هو ظهور الدين وارتفاع العذاب عنهم، نقلهم إلى أن النصر الحقيقي هو ثبات الداعية، نعم كما أن النصر هو ظهور الدين فكذلك من أعظم أنواع النصر ثبات الداعية. هذه مسألة.

ومسألة أخرى، نقل الرسول (صلى الله عليه وسلم) خباب إلى أن النصر قد لا يتحقق في حياة الداعية، قد يتحقق بعد سنوات، فعندما سار الراكب من صنعاء إلى حضرموت هل حدث هذا في حيلة خباب؟

لا حضر هذا بعد سنوات، ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم) ولكنكم قوم تستعجلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت