أيها الأحبةُ الأفاضل، وأما الأنموذج الثاني: فهو يتجسد من خلال شخص محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو آية في الإحسان وبذل المعروف، حتى قبل أن يتلقى وحي السماء، وتفيض على قلبه أنوار النبوة، أنظر إليه وهو يتحنث في غار حراء بعيداً عن سخافات الجاهلية وعبثها، وفجورها وانحرافها، فلا يشعر إلاّ وجبريل عليه السلام يفاجئه بما لم يخطر له على بال، وينبئه بآي من الذكر الحكيم، لم يسمع من قبل لها مثيلا، فيرتجف قلبه، وترتجف بوادره، ويعود مفزوعاُ، مكروباُ، فيدخل على زوجه الحنون، زملوني زملوني، فتُهدئ من روعه، وتهون من فزعه، وتقسم بالله غير حانثة، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف ، وتُعين على نوائب الحق، تذكره بتلك الخصال النادرة، التي لازمته عليه الصلاة السلام ، والتي كُلّها إحسانٌ للآخرين، وإحساسٌ بهم، وتفريجٌ لكربهم، وتلك لعمرك خصال لا يتصف بها إلا الكُمَّل منهم، إنّك لتصل الرحم، فمن يصلها اليوم؟! وتصدق الحديث، فمن يصدقه اليوم؟! وتحمل الكل، فمن يحمله اليوم؟! وتكسب المعدوم، فمن يكسبه اليوم؟! وتقري الضيف، فمن يقريه اليوم؟! تأتيه ابنته فاطمة مجهدة متعبة، فقد أوهن أثر الرحى قواها، وأنهكَ حمل قربَ الماء كتفيها، تأتيه ليهبها خادماُ من السبي، مجرد خادم تخفف عنها كد الرحى، وحمل القرب، فيمتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب ابنته خادماُ، يمتنع أن يهب سيدة نساء العالمين وابنة خير المرسلين خادماُ يخدمها لماذا؟ لأنه يريد أن يشترى بثمن السبي طعاماً لأهل الصُفَّة الفقراء، إنّه يشعر ويحس بمعاناة ابنته، ولكن في الوقت نفسه كان يحس بمعاناة أهل الصُفَّة، كان يشعر بجوعتهم بفاقتهم بحرمانهم بآلامهم، فحين تعددت الاحتياجات، كان لابد من البدء بأهل الصفة أولاً، ولتبقى فاطمة بنت محمد، منهكة القوى مجهدة الأعصاب، فليست أولى بالسبي منهم، ويأتيه فقراء مُضر حُفاةً عُراةً، مُجتا بي النِمَار، متقلدي السيوف، فيتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهيئتهم، ويحزن لمشهد هم، ويعتصر قلبه لحالهم، ويتمعر وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فيدخل ثم يخرج ، ثم يأمر بلا لاً فيؤذن ثم أقام فصلى ثم خطب، فتلا قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) .
: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18 ) .
تصدقَ رجل من ديناره، تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من ثوبه، تصدق رجل من صاع بره، تصدق رجل من صاع تمره، حتى قال ولو بشق تمره، فيستجيب أصحابه لدعوته، فيجتمع أمامه كوم من طعام، وكوم من ثياب، فإذا بوجهه كأنه مُذْهَبَهٌ، ترى ما الذي أهمه حين اهتم، وما الذي أغمه حين اغتم ؟! إنّه الإحساس بحاجات الآخرين، ثم ما الذي أفرحه حين فَرِح؟ وما الذي أسعده حين سَعِد؟ إنّه الإحساس بارتياح الآخرين، ويمضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه قرير العين، هانئ البال، مُخلفاً رجالاً ولا كل الرجال، فيتولى الصديق مقاليد الأمور، وتندلع فتنة المرتدين ويمتنع الأعراب عن دفع الزكاة ، للخليفة المفجوع بفقدِ حبيبه وقرة عينه، ويضطرب الأصحاب من هول الكارثة، وفداحة المصيبة، فيضغط الصديق على أعصابه، ويحاصر مشاعره، وهو يواجه أعظم فتنة، ويكابد أشد المواقف وأحرجها، همومٌ كالجبال وفتنٌُ كالليل، وظروفٌ ما أقساها، ويجيش رضي الله عنهم الجيوش لقتال المرتدين، وينفذ جيش أسامة إلى الشام، ويعزي آل بيت الرسول بفقيد البشرية، وخسارة الدنيا، ورغم كل هذه الظروف المفزعة، والأحوال المؤسفة، ينسل الصديق من بين هذا الركام الضخم من الهموم والمشاغل، ينسل قاصداً بيت امرأةٍ عجوز في أطراف المدينة، يحلب لها شاتها ويكنس لها بيتها، ويصنع لها طعامها رحماك يا إلهي، رحماك يا الله. أي رجال هؤلاء؟! خليفةُ المسلمين وقائدُ الأمةِ، لا تلهيه مشاغلُ الخلافة وتبعاتُها، ولامسؤلياتُ الأمة ومشكلاتها، عن تفقد امرأة عجوز وتلمس حاجاتها، إنّه الإحساس بالآخرين، بالمحتاجين، احتساباً لما عند الله من الأجر والثناء الحسن!
أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أيها المسلمون: لقد كان إحساس أسلافنا بالآخرين، إحساساً مرهفاً، يصدر من شغافِ القلب، ويلامسُ شفافية الروح، كانوا شديدي الحبِ للفقراءِ والمساكين، كثيري التفقد للضعفاء والمحاويج، حتى إنّ زبيد الحارث الكوفي، كما ذكر الذهبي في السير- كان يخرج في الليلة المطيرة، يطوف على عجائز الحي، يقول ألكم في السوق حاجة؟ ألكم في السوق حاجة؟! فما الذي أخرجه ؟ ولماذا في الليلة المطيرة بالذات؟ فكر أخي أنت بالإجابة، وأما حكيم بن حزام فيقول عن نفسه: ما أصبحتُ وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها مصيبة، احتسب أجرها على الله، وإن تعجب من هذين الشهمين الكريمين ! فعجب حالُ علي بن الحسين في الليل يخرج يحمل الطعام على ظهره، يتبع به المساكين في الظلمة، ويقول: إنّ الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب، بل إنّ محمد بن إسحاق ليذكر عن علي هذا، أنّ أناساً كانوا يعيشون بالمدينة لا يدرون من أين يأتيهم معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك المعاش، ألا ليس المحروم من فقد المال والطعام والشراب، فهذا أجره على الله، ولكن المحروم من قدر على الإحسان بماله ونفسه وجاهه ، فاستبدت به أنانيتُه، وأحاطت به خطيئتهُ، واستولى عليه جشعُه، فلم يعبأ بمحتاج ولا مسكين، ولا أرملة ولا يتيم، ألا ذلك هو الخسران المبين .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، ويضرُ وينفع، ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المُسداة، وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين،
أمَّا بعدُ: أيها المسلمون: فإنّ في بعض مجتمعات المسلمين اليوم، أُسراً يدكها الفقر دكا، ويهدها العوزُ هداً، يئنُ أطفالهُا من الجوع، ويقض مضاجعتها طرقات صاحب البيت يطلب الإيجار، فمن لهؤلاء بعد الله؟! في بيوت المسلمين الأرملة البائسة، والعجوز اليائسة، واليتيم المفجوع، والمقعد المحروم ، فمن يقضي حوائجهم ، ومن يخفف آلامهم، ومن يجفف دموعهم ، ابتغاء ما عند الله من الأجر والثناء الجميل؟! هل أدرك الخيرون على وجه الخصوص مدى فعالية الدعوة إلى الله، من خلال بذل الإحسان لأولئك؟! وبذل صنائع المعروف لهم؟! هل أدرك الحريصون، على الدعوة إلى الله ، أنّ مجال الدعوة ليس وقفا على الشريط، والكتيب ، والنشرة، والموعظة؟! ولكن مجالها ، ممتد الجوانب ، فسيح الأرجاءِ ، مترامي الأطرافِ، وأنّ من لا يمكن دعوته بالموعظة المؤثرة ، والنصيحة المعبرة، قد يستجيب من خلال الإحسان إليه ، وخدمته في نفسه وولده .