في صفر مِنْ العام الرابع مِنْ الهجرة النبوية المباركة, قدم وفْدٌ مِنْ عَضَل والقَارَة -قبيلتان مِنْ قبائل نجد- قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهروا الإسلام وقالوا:"يا رسول الله, إنّ فينا إسلاماً, فابعث معنا نفراً مِنْ أصحابك يُقرئوننا القرآن, ويعلموننا شرائع الإسلام", فاختار النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة العظيمة.. لهذا الأمر الجلل.. ستةً مِنْ الصالحين الطيبين مِنْ القُراءِ الواعين, العلماء الراسخين: مَرْثد بن أبي مَرْثد الغنويّ, وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح, وزيد بن الدَّثِنّة, وعبد الله بن طارق, وخالد بن البُكيْر, وخُبَيْب بن عَديّ. بعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أجل أنْ يقوموا بهذا الأمر: تعليمٌ وتزكية, تفقيهٌ وتربية, فخرجوا مع أولئك القوم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر, جاءوا بوجوهٍ بريئةٍ, ولكنّهم كانوا يحملون قلوباً مريضة, قلوب المنافقين.. المنافقون الذين يُظهرون خلاف ما يُبطنون, ويقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُأمرون, لمّا ذهب القوم وبلغوا مكاناً يُقال له الرجيع -ماءٌ بين عُسفان ومكّة- لمّا بلغوا ذلك المكان استصرخوا عليهم أقواماً مِن الكفار فأحاطوا بهؤلاء الستة الصالحين, القُراء العلماء, أحاطوا بهم وقد شهروا سيوفهم, ثم قالوا لهم:"لكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم, ولكننا نريد أنْ نصيب بكم مِن أهل مكة", نريدُ أنْ نبيعكم إلى أهل مكّة ونصيب بكم مالاً, فماذا كان موقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الستة الطيبون رضوان الله عليهم؟ أما عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقال:"والله لا أقبل من مشركٍ عهداً ولا عقداً)، كان يعلم يقيناً أنّ المشرك الذي نقض العهد مع الله, أخذ عليه العهد يوم الميثاق حين أخرجه من صلب أبيه آدم قال للناس جميعاً: (ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا) ، هذا المشرك عاهد ربّه على ذلك يوم الميثاق, فلما خرج إلى الدنيا متّعه الله بالسمع والبصر, وأصبغ عليه النعم ظاهرةً وباطنةً, فنقض العهد مع الله, أشرك بالله وكفر به, سبه واستهزأ بآياته, أعرض عن هداه,"لا أقبل من مشركٍ عهداً ولا عقداً وقد عاهدتُ ربي ألا يمسني مشركٌ, وألا أمسّ مشركاً"ثم قام معه نفرٌ يُقاتلون حتى قُتِلوا رضوان الله عليهم. أما ثلاثةٌ وهم عبد الله بن طارقٍ, وزيدُ بن الدَّثِنَّة, وخُبيب بن عديّ رضوان الله عليهم فقد ألقوا بأيديهم, وصدّقوا القوم في وعودهم, لأنّ المؤمن غِرٌّ قد يُخدع، يظن أنّ الناس جميعاً صادقون, وأنّهم بعهودهم موفون, فألقوا بأيديهم فما أنْ أمسكوا بهم حتى حلوا أوتار قسيهم, ثم قيّدوهم بها, قال عبد الله بن طارق:"هذا والله أوّل الغدر"، هذه أول علامةٍ مِن علامات الغدر, أول دليلٍ من أدلة اللؤم, ثم لما كانوا ببعض الطريق حلّ عبد الله بن طارقٍ رضى الله عنه يده, ثم حمل سيفه وتربّص بالقوم ليقاتلهم, لكنّهم كانوا جبناء, كانوا أذلة صاغرين, ما اجترءوا على قتاله, بل وقفوا من بعيد يرجمونه بالحجارة حتى فاضت روحه إلى بارئها."
بقيَ خُبيب بن عديّ, وزيد بن الدَّثِنَّة رضوان الله عليهما، فلمّا ذهبوا بهم إلى مكّة, باعوهما, أما خُبيب بن عدي رضي الله عنه فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر الذي قُتل يوم بدر, وأما زيد بن الدَّثِنَّة فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف الجُمَحيّ الذي قُتل يوم بدر, ثم بعد ذلك حُبسا وما زال أهل مكّة تتلمظُ شفاههم, وتتحرق قلوبهم, وينتظرون ساعة الانتقام, الساعة التي يقتلون فيها أسيرين, مُقيَّدين لا حول لهما ولا طول, لا قوة ولا بأس, لا يقتلونهما في ميدان نِزال, ولا في حال قتال, وإّنما وهُما مقيدانِ مربوطان أسيران, لا يملكان لأنفسهما نفعاً ولا ضراً, ولا موتاً ولا حياةً ولا نُشوراً, فخرج القوم بخُبيب بن عديّ رضي الله عنه فاستأذن مِن الناس أنْ يُصليَ ركعتين قبل أنْ يُنفّذ فيه حُكم الإعدام, ما صرخ ولا بكى، ولا اشتهى طعاماً، ولا طلب بأولاده لقاءاً, وإنّما أراد أنْ يقف بين يدي ربّه مصلياً, راكعاً ساجداً, قبل أنْ تُزهق روحه, قبل أنْ تذهب نفسه, فكان رضي الله عنه أول مَنْ سنّ الصلاة قبل القتل, ثم بعد ذلك ماذا قال رضي الله عنه؟ قال للمشركين:"والله لولا أني اخشي أن تقولوا قد خاف من الموت لطوّلت فيهما"، لصليت ركعتين طويلتين، أتلذذ فيهما بمناجاة ربي، والوقوف بين يدي مولاي. ثم بعد ذلك دعا ربه فقال:"اللهم إنّا قد بلّغنا رسالة نبيك فأبلغه عنّا الغداة ما يُفعل بِنا"، ثم دعا علي المشركين فقال:"اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً"، ثم رُفع رضي الله عنه على الخشبة وقتل.. ذهب إلى ربه شهيداً.