فهرس الكتاب

الصفحة 4910 من 9994

وأما زيد بن الدَّثِنَّة رضي الله عنه فقد أخرجوه للقتل على ملأ من الناس، فقال له أبو سفيان بن حرب -وهو يريد أن يشفي غليله، وقد كان كافراً مشركاً، عظيم الضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال له:"يا زيد، أتحب أنك بين أهلك وولدك ومحمدٌ يقتل مكانك"، فقال له زيد بن الدَّثِنَّة في ذلك الموقف الذي يحار فيه اللبيب.. يطيش فيه العقل، وتذهب فيه الفكرة، قال له زيد رضي الله عنه ـ وهو رابط الجأش، ثابت القلب، لا يتردد ولا يتلجلج ـ قال:"والله ما أحب أني بين أهلي وولدي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُشاك بشوكة"، فقال أبو سفيان:"ما رأيت أحداً يحُبّ أحداً كحُبّ أصحاب محمد محمداً"، ثم قتلوا زيداً رضي الله عنه، قدّموا غلاماً عبداً لصفوان بن أمية يقال له نسطاس فطعنه.

أيها المسلمون عباد الله!

هذه الحادثة في السيرة النبوية المباركة فقد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة مِن خيار أصحابه، من الصالحين القانتين،الطيبين العابدين، لكنّ فيها فوائد.

في هذه القصة المباركة علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعوة فداؤها الرجال.. فداؤها العلماء الأفذاذ.. فداؤها القرّاء الطيبون.. فداؤها الفُقهاء الصالحون، يقدِّمون أنفسهم طاعة لله ورسوله، يسترخصون دمائهم في سبيل الله وتبليغ دينه.

ثم ثانياً: تعلّمنا من هذه القصة أنّ المشرك لا يؤمَنُ غدره، كان الوفاء قيمة مرعيّةً في العرب، ما كانوا يغدرون بذمة، وما كانوا يُخْفِرون بعهد، لكن هؤلاء المشركين لمّا كانوا يواجهون جماعةً من المؤمنين نسوا تلك القيم الأصيلة, مثلما يتبجّح المشركون اليوم بأنّهم أهل الحريّات, وأنّهم أهل حقوق الإنسان, وأنهم الذين يُعلّمون الناس الديمقراطية, وإبداء الرأي, ثم بعد ذلك إذا كانت العداوة للمسلمين فلا حريةَ ولا رأي.. لا ديمقراطيةَ ولا حقوق إنسان, كل هذه القيم تكون تحت النعال ودَبَر الآذان, لا يُفكّرون فيها, ولا يُدندنون حولها.. مع المسلمين لا حرية ولا رأي ولا حقوق للإنسان, ولا هذه الشعارات الجوفاء.. كلها تذهب أدراج الرياح.. لا قيمة لها.

ثم ثالثاً: في هذه الحادثة مِن أحداث السيرة النبوية المباركة, نُثبت كرامات الأولياء, أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون, عبادُ الله الصالحون, أولياءه المقربون, مَن والَوْا بين الطاعات, وتقرّبوا إلى الله بالسُّنن بعد الواجبات, هؤلاء الله عزّ وجلّ يثبِّتهم, ويؤازرهم ويسددهم، ويُقويهم ويَرعاهم ويحميهم. أما عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أمير القوم رضي الله عنه.. عاصم بن ثابت هذا يوم بدر قتل رجُلين من المشركين, أمُّهما سُلافة بنت سعد كانت قد نذرت إنْ ظفرت برأس عاصم بن ثابت أنْْ تشرب في قِحفه الخمر, أنْ تشرب في دماغه الخمر, المشركون بعدما قتلوا عاصماً في ميدان الشرف, في ميدان الوغى, أرادوا أنْ يأخذوا جسده الشريف ليبيعوه إلى تلك المرأة الكافرة, ماذا فعل الله لوليه؟ ماذا فعل الله لهذا العبد الصالح؟ أرسل الله عزّ وجلّ ظُلّة مِن الدَّبر.. من الزنابير أو من ذكور النحل, فأحاطت به وأظلّته, ما استطاع المشركون أنْ يصلوا إليه, ولا أن يقتربوا منه, ولا أن يمسّوا جسده, حتى قال بعضهم لبعض:"انتظروا حتى إذا كان الليل أخذناه"، فماذا فعل الله بهم لما أقبل الليل أرسل الله عز وجل سيلاً جارفاً حمل ذلك الجثمان الشريف إلى حيث لا يعلم مكانه إلا الله, ما استطاع المشركون أنْ يصلوا إليه, لِمَ؟ لأنّه صدق الله فصدقه, كان رجلاً عقيدةُ الولاءِ البراءِ قد تخللت قلبه, قد خالطت شِغاف فؤاده, عاهد الله ألا يمسَّ مشركاً ولا يمسّه مشرك, ما كان متهوكاً متردداً, يتزلّف للمشركين, ويتقرب للكافرين, ويتمسح بأعتاب المنافقين, بل بلغ من حبه لله وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتزازه بإيمانه, وافتخاره بإسلامه: أن يُعاهد الله ألا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك, لِمَ؟ لأنّه تعلّم من شريعة الإسلام, أنّ المشركين نَجَس, المشرك نجِس القلب, نجِس الاعتقاد, نجِس الباطن, نجِس الفؤاد, ثم بعد ذلك في الظاهر لا يتورع عن النجاسات, قد يأكل الدم, قد يشرب الخمر, قد لا يتمسح من بوله وعذرته, لا يتورع عن النجاسات, فهم نجسٌ ظاهراً وباطناً, لمّا كان عاصم بن ثابت رضي الله عنه قوي الإيمان صحيح اليقين, حماه الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت