وأما خُبيب بن عديّ رضي الله عنه فلما كان محبوساً مقيداً، وعلم أنّ ساعة القتل قد دنت, وأنّ لقاءه بربّه قد اقترب, طلب من جارية لبني الحارث بن عامر.. جارية.. خادمة.. أمة.. طلب منها موسى حديدة ليحلق عانته ليتهيأ للقاء ربه, فجاءته بتلك الحديدة التي طلب, بينما هو يحملها في يده إذا غلامٌ صغيرٌ من بني الحارث قد دبّ, حتى دخل عليه, فأجلسه خُبيبٌ في حِجْره, يُداعبه ويُلاعبه يحنوا عليه ويُلاطفه, لأنّه تعلم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلّم توقير الكبير, والعطف على الصغير, وإنزال كلّ إنسانٍ منزلته, لما رأت تلك الجارية ذلك الغلام جالسًا في حِجْر خُبيب, والحديدة في يده, فزعت وقالت في نفسها:"قد أدرك الرجل ثأره, والله ليقتلنّ الغلام"، خُبيب رضي الله عنه، وليُّ الله، تفرّس بما حدّثت به المرأة نفسها, فقال لها:"أخشيت أن أقتله؟ والله ما كنت لأفعل", ما تعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقتل صغيرًا, ولا أن نعتديَ على طفلٍ, ما تعلّمنا من شريعة الإسلام أن نؤاخذ صغيرًا بجريرة كبير,"ما كنت لأفعل". تقول هذه الجارية بعدما أسلمت رضي الله عنها تقول:"ما رأيت أسيرًا قطّ خيراً من خُبيب, والله لقد رأيت بين يديه قِطفاً من عنب وما بمكة يومئذٍ عنبٌ قط, وإنّه لمقيد اليدين, وإنّما هو رزقٌ ساقه الله إليه". أعادوا كرامة مريم ابنة عمران التي قال الله في شأنها: (كلما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّى لكِ هذا قالت هو من عند إنّ الله يرزق مَن يشاء بغير حساب) .
أيها المسلمون عباد الله!
قبل أنْ يصل خبر هؤلاء الستة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أنْ يعلم بمقتلهم رضوان الله عليهم جاء نفرٌ مِن أهل نجدٍ بقيادة عامر بن مالك المعروف بـ (مُلاعب الأسنّة) ، جاء يطلب مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُراءًا عُلماء ليُعلّموا الناس القرآن, ويشرحوا لهم الإسلام, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنّي أخشى عليهم أهل نجد ) ), فقال الرجل:"أنا لهم جارٌ يا رسول الله", ماذا حدث مع هؤلاء؟ كانوا سبعين فيهم حرام بن مِلحان, فيهم عامر بن فُهَيرة -مولى أبي بكر الصديق- فيهم الحارث بن الصِّمَّة, فيهم نفرٌ كِرامٌ, صالحون طيبون.. نافع بن بُدَيل بن ورقاء, وغيرهم. سبعون من القُرّاء, يحتطبون بالنهار ويتدارسون القرآن ويُصلون بالليل, ويُطعمون أهل الصُفة, فإذا نادى المنادي حيّ على الجهاد كانوا في أول الناس, ماذا حدث مع هؤلاء؟ حدث ما حدث مع أولئك في خبر ينبغي أنْ يُفصَّل وأنْ يُبيّن.
نسأل الله عز وجل أن يجزي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عنّا وعن الإسلام خيرًا، وأن يرفع درجاتهم في أعلى عليّين, وأن يرزقنا السير على طريقهم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، والحمد لله ربِّ العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين, وأشهد ألاّ إله إلاّ الله إله الأولين والآخرين, وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمدًا عبدُ لله ورسوله النبي الأمين, بعثه الله بالهدى واليقين, لينذر من كان حياً ويحقّ القول على الكافرين, اللهم صلي وسلم وبارك عليه، وعلى إخوانه الأنبياءِ والمرسلين، وآل كلٍّ وصحب كلٍّ أجمعين, وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.
أما بعد. أيها المسلمين عباد الله! فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء السبعين رضوان الله عليهم أجمعين, حرام بن ملحان خالُ أنس بن مالك, المنذر بن عمر, نافع بن بُديل بن ورقاء, عامر بن فُهيرة, كعبُ بن زيدٍ, وعمرو بن أميّة الضَمْريّ, وأمثالهم رضوان الله عليهم. ذهبوا بصُحبة ذلك الرجل عامِر بن مالكٍ المعروف بملاعب الأسنّة, لمّا بلغوا مكانًا يُقال له بئرُ مَعُونة, لمّا بلغوا ذلك المكان بعثوا حرام بن مِلحان رضي الله عنه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل كافِر, إلى رجل فاجِر, إلى رجل فاسق, إلى رجل لا يرجو لله وقاراً, وهو عامر بن الطُفَيل ذهب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه, يدعوه إلى الإسلام, يأمرُهُ بالإيمان, فلم ينظر عامرٌ في الكتاب بل أومأ إلى رجل فأنفذ الرمح في حرام بن مِلحان, طعنه من الخلف, فماذا قال حرام قال:"فُزتُ وربِّ الكعبة", يُقتل يسيل دمه, تُزهقُ روحه, فيصيح تلك الصيحة"فزتُ وربّ الكعبة", هذا الذي طعنه مازال يُفكّر في هذه الكلمة كيف أنّ إنسانًا, قتيلاً، قد فارق الدنيا وأيقن ذلك لا محالة ينطق بتلك الكلمة"فُزتُ وربّ الكعبة"، تُرى أيُّ فوز ذاك؟ هذه الكلمة كانت سببًا في إسلام ذلك الطاعن, بركة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتهم، وعند مماتهم، وبعد وفاتهم، رضوان الله عليهم أجمعين.