ملخص الخطبة
1-الغاية من الخلق. 2- أصل المخالفات. 3- حقيقة الإسلام. 4- خطورة اتباع الهوى. 5- اختلاف العقول. 6- الوحي حاكم على العقل. 7- صفات أهل الأهواء.
الخطبة الأولى
وبعد: أيّها الناس، فاتَّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون [آل عمران:102] . التَّقوى على الإيمانِ عَلَم، وبه تثبُت على الصراطِ القدَم.
ثم اعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هدي محمّد ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بِدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
أمّا بعد: أيّها المسلمون، فإنَّ الله خلق الخلقَ لعبادته وحدَه والدخولِ تحت أمرِه ونهيِه، قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الجن:56] ، وقال عزَّ من قائِل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] . وما أُرسِلت الرّسُل وأنزِلت الكتب وقام سوقُ الجنّة والنار إلا لأجلِ هذه الحقيقةِ العظيمة، ولإخراج العبادِ مِن داعيةِ أهوائِهم إلى عبادةِ خالِقهم ومولاهم، بتوحيدِه واتِّباع أمره واجتنابِ نهيه في كلِّ تفاصيل الحياة، والرّجوع إلى شرعِه في كلِّ الأحوال، والانقياد إلى أحكامِه على كلِّ حال، وكتابُ الله وسنّة رسوله متوافِرةٌ على هذا المَقصد؛ ليكون الإنسانُ على ما يُرضِي ربَّه سبحانه وتعالى، فإن خالف هذا المقصدَ فهو المتوعَّد بالعذاب العاجل في الدنيا والآجلِ في الآخرة: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] .
أيّها المسلمون، إنَّ أصلَ المخالفات هو اتّباع الهوى والانقيادُ إلى الأغراض العاجِلة والشهوات الزائلة، وقد جعل الله اتّباعَ الهوى مُضادًّا للحقّ كما في قوله سبحانه: فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26] ، وقال عزّ وجلّ: فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى [النازعات:37-41] ، وقال عن نبيِّه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجوم:3، 4] ، فقد حصَر الأمرَ في شيئين: الوحي والهوى، فلا ثالثَ لهما.
وقد عُلِم بالتَّجاربِ والعادات كما علِمَ بالنّصّ أنَّ المصالحَ الدينيّة والدنيويّةَ لا تحصُل مع الاسترسالِ في اتِّباع الهوَى والتمشِّي مع الأغراضِ بلا ضَابطٍ؛ لما يلزم في ذلك من الفوضَى والتهارُج والتقاتُل والهلاك.
أيّها المؤمنون، ولا يتِمّ الإسلام حقيقةً إلا بإسلامِ النّفس وقيادِها لبارِيها سبحانَه كما قال عزّ شأنه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ [آل عمران:162، 163] .
ذلك أنَّ حقيقةَ الإسلام هو الاستسلام لله والانقيادُ له بالطاعة، فإسلامُ القيادِ لربِّ العالمين والقبولُ والرّضا بحكمه وشرعِه في كلِّ نواحي الحياة فرضٌ لازمٌ، وهو مقتضَى الإسلام، ومَن عارض شرعَ الله برأيه فليس بمستَسلِمٍ لله؛ بل هو عبدٌ لهواه، وهو المقصود بقول الله تبارك وتعَالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] ، وقال سبحانه: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص:50] .
وإذا كان الاستِسلام لله في كلِّ الأمور هو مقتضى الإسلام فإنّه أيضًا شرطُ الإيمان، قال سبحانه: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] ، وفي الحديث أنَّ النبيَّ قال: (( لا يؤمِن أحدُكم حتى يكونَ هواه تبعًا لما جِئتُ به ) ) (1) [1] ، قال النوويّ:"حديث حسن صحيح، رُوِّيناه في كتابِ الحجّة بإسناد صحيح" (2) [2] .
أيها المسلمون، ومع أنَّ الشريعة الإسلاميّة قد جاءت بمصالح الخَلق إلاَّ أنها لم توضَع على مقتضَى تشهِّي العبادِ وأغراضِهم، وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ [المؤمنون:71] . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في دَرء تعارض العقل والنقل:"إنَّ الناسَ لا يفصِل بينهم النزاعَ إلاّ كتابٌ منزَّل من السماء، ولو رُدُّوا لعقولِهم فلكلِّ واحدٍ منهم عقل" (3) [3] .
عبادَ الله، قد يضعُف إيمان مسلِمٍ فيغلِبه الشيطان على معصيةٍ لا يلبَث أن يتوبَ منها فيتوبُ الله عليه، أو يموت على غير توبَة فأمرهُ إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفَر له، وهذا شأنُ كثيرٍ من الخلق، وكلُّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطَّائين التوّابون، إلا أنَّ الذي يلحَقُه الذّمّ وينطبِق عليه الوعيد هو من يكابِر ويجادِل عن معصيتِه وهواه، ويعارِض حكمَ الله وشرعَه بعقلِه ورأيه، وينصِب نفسَه لنقضِ عُرى الإسلام وحربِ كلِّ فضيلةٍ لا توافِق هواه والدّعوةِ لكلِّ ما تشتهي نفسُه وتهواه، مقتدِيًا بالفلاسِفَة القدماء في اتِّباع عقلِه فيما يحَسِّنه ويقبّحه، حتى يتيهَ في بيداءِ الهوَى وظلمةِ الضلال كالكوز مجَخِّيًا، لا يعرِف معروفًا ولا ينكِر مُنكرًا إلاَّ ما أُشرب من هواه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"واتِّباعُ الأهواء في الدِّيانات أعظمُ من اتِّباع الأهواء في الشّهوات، فإنَّ الأوّلَ حالُ الذين كفروا من أهلِ الكتاب والمشركين" (4) [4] ، وهؤلاء هم مَن عناهم النبيُّ في حديث أبي حذيفةَ رضي الله عنه المخرّج في الصحيحين: (( دُعاةٌ على أبواب جهنّم، من أجابهم إليها قذَفوه فيها ) )، قلت: يا رسول الله، صِفهم لنا، قال: (( هم من جِلدَتِنا ويتكلَّمون بألسنتنا ) ) (5) [5] ، وفي سنَن أبي داود بسندٍ حسن أنَّ النبيَّ قال: (( وإنّه سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهواءُ كما يتجَارَى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقَى منه عِرق ولا مِفصلٌ إلاَّ دخَله ) ) (6) [6] ، قال الشّاطبيّ:"وحاصِل ما عَوَّلوا عليه تحكِيم العقولِ المجرَّدة، فشرَّكوها مع الشرعِ في التّحسين والتقبيح، ولو وقفوا هنالِك لكانت الداهيةُ على عظمها أيسَرَ، ولكنّهم تجاوزوا هذه الحدودَ كلَّها إلى أن نصَبوا المحارَبَة لله ورسولِه باعتِراضِهم على كتاب الله وسنّة رسوله" (7) [7] .