فما أعظمها من أيةٍ وأبينها من دلالة، ولهذا يكرر سبحانه ذكرها في كتابه كثيراً [1] يقول تعالى عن سفينة نوح: (( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ) ) (هود:42) .
أمواج عاتية وتيارات من الماء عنيفة، وإنما النجاة من الله القدير، فسفينة نوح التي حملته ومن معه من المؤمنين كانت تجري بأهلها في فوج كالجبال بعد أن فتح الله أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر، وهذه الصورة تجر العبد على ركوب البحر في غير هيجانه، وتطمأن العبد عمق اليقين بقضاء الله وقدره بعد أخذ العبد بالأسباب المباحة، ثم هذه السفينة تسير بعناية الله وحفظه وكلائه، قال تعالى عن سفينة نوح: (( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) ) (القمر:14) .
وقال عن رحمته بالعباد وفضله عليهم في الفلك والسفن.
(( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ) ) (إبراهيم:32) .
إن تسخير السفن آية واضحة على وحدانية الله تعالى، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء، ولكن إذا أراد الله أمراً فلا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فقد تغرق السفينة بمن فيها وقد ينجو بعضهم، قال تعالى: (( إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ ) ) (الشورى:33) .
قال القرطبي: أي إن يشأ الله يجعل الريح عواصف فيوبق السفن: أي يغرقهن بذنون أهلها، (( وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ) ) (الشورى:34) .
من أهلكها فلا يغرقهم معها، وقيل أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك (16/33) .
ولقد كان الكفار إذا توسطوا في البحر، وغشيتهم الرياح من كل مكان وايقنوا بالهلاك، عملوا أن لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم، فيخلصون له العبادة، (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) ) (العنكبوت:65) .
(( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً ) ) (الإسراء 67، 68) .
عباد الله: قبل خمسة عشر يوماً كانت عبارة ضخمة، (وهي سفينة كبيرة) انطلقت من ساحل ضبا حاملة ما يزيد عن ألف وأربعمائة إنسان، فيهم الشيوخ والنساء والشباب والأطفال بأمتعتهم وبضائعهم إلى مصر، فيها أناس من الحجاج وغيرهم، فلما توسطت بهم البحر، أصابها خلل فبدأت تحترق من أسفلها، فذهل الناس فيها، وعلت الأصوات وأشتد البكاء،
واشتغل كل إنسان بنفسه، وتفرق الأحباب ثم انقلبت هذه السفينة الضخمة، وتقاذف الناس الذين على ظهرها، وبداخلها في لجج البحر وفي ظلمة الليل، فمنهم من تعلق بقارب صغيرة، ومنه من سبح، ومنهم من أمسك بخشبة، ومنهم من تضبت بطوق نجاة، ومنهم من تعلق برجل إنسان أمامه.
تهاوى مآت الناس من كل جانبٍ
إلى البحر تمضي فرقه بعد فرقه [2]
قفزت مع الأحباب قفزت هارب
يواجه ما يلقى بذهن مشتت
إلى أين ؟ لا أدري إلى أين إننا ..
نفر على موج وحوت ولجه
تلقفنا الموت الرهيب فلا أبي
رأيت ولا أمري الروم وإخواتي
ومن رافع إحدى يديه ملوحاً
تخطفه موج فالهب حسرتي
هكذا يقول بعض الناجين من هذا المركب ممن لهم بقية أجل لم يستكملوه سبحان الله أمواج كالجبال ، ارتفعت معها صرخات النساء والأطفال والشباب الرجال ، هنا يفزع هنا صار ذكر الله أعظم ثروة .. وقيمة تقوى الله أعظم قيمة هنا يتين للمرء لحظات الاضطرار (( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) ) (النمل:62) .
(( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ) ) (الأنعام:63-64) .
في هذه اللحظات الحاسمة يتباين النسا فمنهم من ينطق بكلمة التوحيد ومنهم من يسخط على ربه ومنهم من يدعو ويضرع ، قلوب خائفة ، وعيون دامعة ونوف منهكة، نسى المرء هنا أمواله وثرواته ، ولم يفكر إلا في نجاته
أقوى فؤادي بالرجاء هنيهة فملا يثور البحر تبهار قوتين [3]
وأصبحت الدنيا كلحم بلامدى وهات أمام الموت علمي وثروتي.
إنها لحظات عجيبة ، وساعات عصيبة ، يصورها أحد الناجين بقوله
مما أدهشني مشهد انقلاب هذه العبارة الضخمة بامتعتها ومطاعمها واسواقها, ثم مشهد تقاذف الناس في بحر مظلم ، مع ريح شديدة باردة ، والنسا بعضهم فوق بعض فيا لله كم أم تسأل عن طفلها وكأنها تناست نفسها ، وكم من أم ترى فلذة كبدها والأمواج ترفعه ثم تخفضه ، يقول أحد الناجين .
أبٌ يقول لنا نحن في قارب صغير ( خذوا ولدي انقذوهما اتركوني )
لحظات يودع فيها الأحباب والأهل والأقارب والأصدقاء بعضهم بعضاً بحزن عميق
نظرت إلى أهلي فديت عيونهم ... تبادلني بالحزن أعمق نظرتي [4]
فكان حديثاً بالعيون محملاً ... بحزن وآلام وإحساس فرقةِ
وهكذا تفرق الناس وذهبوا مذاهب شتى فمنهم من نجاه الله مع طول مدة بقائه في الأمواج حيث بقي بعضهم ثمان وأربعين ساعة وربما أكثر من ذلك . ومنهم من غرق في البحر - نسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته وأن يجعلهم من الشهداء وأن يخلفهم في أهليهم بخير .
عزائي لكم يا من فقدتم أحبةً ... كفقدي أمام العين أعلى احبتي [5]
عزاء محب صدمه الهول لم تزل ... تلاحقه في كلنوم وصحوة
رضانا بما يقضي الإله دليلنا ... إلى راحة كبرى وعفو ورحمة
أيها المسلمون: بغض النظر عن الأسباب المادية لقوقع هذه الكارثة
إلا أنني أوكدها هنا على أن المسلم يؤمن بقضاء الله ، وأن الله قدّر آجال الخلائق وأرزاقهم قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة
(( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) ) (الحديد:22)
(( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) ) (التغابن 11) .
والله تعالى لا يتهم في قضائه وهو الحكيم العليم والأخذ بالأسباب مشروع للعبد ولكن العبد لا يعتمد عليها بل يلجأ إلى فاطر الأرض والسماوات الذي بيده الدنيا والآخرة وله الحكم وإلهي يرجع الأمر كله
(( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) ) (هود:123) .
وفوض أمرك إليه ، ولا تقلق بغيره ، ولا تحب سواه وما يحب جلا وعلا - واستقم على طاعته فهذا سبيل النجاة في الدارين وفقني الله وإياكم لما يرضيه ، وجعلنا ممن يعتبر ويفكر ويتعظ ويدّكر واستغفره فاستغفروه.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً ، وسبحانه الله بكرة وأصيلا ،
وأشهد أن لا إلهي إلا الله وحده لا شريك له تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً
واشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله إلى الثقلين بشيراً ونذيراً
صلى الله عليه وعلى أله واصحابه وسلم تسليماً كثيراً .