فهرس الكتاب

الصفحة 7558 من 9994

وهذه أول أمرٍ ينبغي للمؤمن والمصلح والداعية والعالم وكل فاعل خير في هذه الأمة أن يتزود به وأن يتحصن به ، قال تعالى: { قل إني على بينةٍ من ربي وكذبتم به }

حتى وإن كذبت الدنيا كلها وإن صارت وسائل الإعلام تصك آذاننا كل يوم بمذاهب وضعيةٍ بشرية ؛ فإننا نقول:"إنا على بينة من ربنا".

{وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به } ،كانوا يقولون أين أثر ذلك أين النتيجة لذلك واليوم يقول بعض المسلمين: أين أثر القرآن ؟ وأين أثر الإيمان ؟ وأين أثر شواهد الإسلام ؟ هل يمكن أن تطبق في واقع الحياة اليوم ؟ إن هذا التشكك لا يزيله إلا يقين راسخ ومعرفة تامة وبينة واضحة في منهج الإسلام .

{قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين }

ثم قال شعيب عليه السلام: { ورزقني منه رزق حسنا } ، قال أهل التفسير:"قصد النبوة أو الرزق الحلال"، قال ابن كثير:"أي أخذت بالحلال ما كان موافق لشرع الله ، وتركت ما كان من الحرام مخالف لأمر الله".

فالاستقامة هنا بعد وضوح المنهج ، إن كل مصلحٍ لا بد أن يكون قدوة لغيره ، لا بد أن يكون مسابق لكل خيرٍ يدعو إليه ، لا بد أن يكون مجتنب لكل سوء أو شرٍ يحذر منه ، لا بد أن يكون قدوة تتعلق بها القلوب ، وتتأثر بها النفوس ، وتكون أنموذجاً يقتفى ، وأسوة تحتذى .. هذه معالم مهمة في الإصلاح . ما بال كثيرٍ من أهل الإصلاح يقولون مالا يفعلون ، ويدعون إلى ما عنه يتخلفون ؟

هذه قضية مهمة .

ومن هنا أتبعها فقال: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه }

إن أعظم أثر سلبيٍ لدعوة الإصلاح أن يكون الداعي إليها أول مخالفٍ لها ! كيف نقول: إننا ننطلق من ثوابتنا ونحن نستورد من غيرنا ؟ كيف يقول ذلك المصلح أنه يريد خير وطنه وبلاده ، وقلبه وفكره في خارجها ؟ كيف يدعي أنه يريد الإصلاح كما ينبغي أن يكون عليه الإصلاح وهو يتلقى توجيهاته أو إرشاداته أو نظرياته أو أفكاره ممن ليسوا على دينه ، ولا على ملته ، وليسوا من دياره ، ولا من بلاده ، ولا من غير ذلك من أمورٍ كثيرة نراها نسمع عنها ؟

ثم كذلك {ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } سواء كان ذلك في السر أو كان في العلن !

ذكر ابن كثيرٍ في تفسيره عند هذه الآية:"أي لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم"، وقال قتادة:"لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه".

ثم قال: { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت }

وهذه قاعدة إصلاحية مهمة قاعدة الإخلاص والتجرد عن المصالح الذاتية .. قاعدة الارتباط بتغليب المصالح العامة للأمة .

إن الداعية المصلح لا يريد شيئا لنفسه ، لا يريد حظاً لدنياه ،. لا يريد شيئا يتصل به أو بجماعته أو بقبيلته أو بفئته ..

إن المصلح الحق إنما يريد وجه الله أولاً ، وخير أمته وأبناء أمته ثانياً .. لا يوجهه لذلك مصلحة ن ولا يرده عن ذلك مفسدة ، لا يدعوه إلى ذلك مغنم ، ولا يصده عن ذلك مغرم ، إنما أساسه الإصلاح ورغبته ، الإصلاح إرادته الجازمة وغايته الواضحة قال تعالى: { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت }

وقضية الإصلاح والتغيير قضية ليست سهلة ؛ ومن هنا جاء قوله عليه السلام: { وما توفيقي إلا بالله }

إنه لا يمكن أن تحقق دعوة إصلاحية أثرها إلا بتوفيق الله عز وجل ، ولا يستدعى هذا التوفيق ولا يستجلب إلا بالإخلاص لله عز وجل ، وكمال التجرد له ، والرغبة في خير هذه الأمة وإصلاحها وتقديم الخير لها .

{وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } فلا اعتماد إلا عليه ولا رجوع إلا إليه ، قال السعدي في تفسيره في هذه الكلمات القرآنية الربانية العظيمة:"وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد وهما: الإستعانة بربه ، والإنابة إليه ،كما قال تعالى: { فاعبده وتوكل عليه } ، وكما قال: { إياك نعبد وإياك نستعين } ".

فإن انطلقنا في دعوتنا للإصلاح مستعينين بالله مستحضرين رجوعنا إليه فذلك هو النهج القويم الذي ترجمته لنا آيات القرآن .

نسأل الله عز وجل أن يصلح فساد قلوبنا ونفوسنا .

الخطبة الثانية:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه .

وإن من تقوى الله - عز وجل - الارتباط بمنهجه وبإرشاده وتوجيهه فيما جاء في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في إصلاح أحوال العباد والبلاد ، التي نسأل الله عز وجل أن يمنّ بها علينا وعلى بلادنا بلاد الحرمين الشريفين ، ونسأله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بنهج القويم والصراط المستقيم ، وأن يدرأ عنا الفتن والمحن والأغاريق والأباطيل إنه ولي ذلك والقادر عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت