جِلْسَةُ التَّفَكُّرِ، العِبَادَةُ، السُّجُودُ الطَّوِيلُ هَذَا هُوَ الإلْحَاحُ الذِي يَحْتَاجُ إلَيه المسْلِمُ ، وَأَيضًا مَعَهُ العِلْمُ الصَّحِيحُ حَتَّى يَصِيرَ مَعَكَ نُورٌ قَوِيٌّ: نُورُ الكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، واَخْطَرُ ما يمرُّ بالإنسَانِ وقْتَ الفِتَنِ أنْ يَضْعُفَ نُورُ الكتابِ، والسُّنَّةِ منْ قَلْبِهِ وأَنَا أَرْجُو الله عز وجل أنْ يُوَفِّقَ طَلَبَةَ العلمِ، وهذه الصَّحْوَةَ المبَارَكَةَ، إلَى أنْ يُعِيدُوا إلى قُلُوبِهِمْ نُورَ الكتابِ، وَالسنَّةِ، نَحْنُ في هذه الأيام أَحْوَجُ مَا نكونُ إلى نورهما؛ لِعَظَمَةِ الفِتْنَةِ وَلَيسَ هناك شيءٌ يُضِيءُ للإنْسَانِ وقتَ الفتنةِ أعظمَ منْ هذا النورِ الإلهيِّ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لهُ نُورًا فَمَا لَهُ منْ نُورٍ.
الأَسَاسُ الثَّالِثُ: التَّعَامُلُ، وَالتَّعَاضُدُ مَعَ إِخْوَانِهِ؛ طَلبًا للعلمِ، وَدَعوَةً إلى الله، وَجِهَادًا في سبيلِهِ وَخَاصَّةً زَمَنَ الفتنِ؛ فالإنسَانُ يَحْتَاجُ فيه إلى أَخِيهِ النَّاصِحِ الذي يُذَكِّرُهُ بالله، وَيُقَرِّبُهُ إلَى الله، وَلْيَحْذَرْ مِنَ الغَافِلِينَ الذِينَ يُبْعِدُونَه عنِ الله بأيِّ نوعٍ منَ أنْوَاعِ البُعْدِ، أكْثَرُ مَا يُرَاهِنُ عَلَيه أَعْدَاءُ الله عز وجل لِهَذِهِ الأَزْمَةِ هُو: تَفَرُّقُ المسْلمينَ، وَهَذِهِ الفِتَنُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، نَحْنُ أَحْوَجُ إلَى أَنْ تَلْتَقِيَ بِهَا القُلُوبُ، وَخَاصةً منْ يَلْتَزِمُ منْهَجَ أهلِ السُّنَّةِ، وَالجمَاعَةِ تَتَّفِقُ قُلُوبُهُمْ عَلَى السُّنَّةِ، وَعَلَى الجمَاعَةِ، وَليَحْذَرُوا منَ الفُرْقَةِ، وَالعَدْىِ، وَالظُلْمِ, وَالنُّصُوصُ، وَالأدِلَّةُ دَلَّتْ عَلَى الإحْسَانِ إلَى الإنسانِ، وَالحيوانِ، أَلَيسَ أخُوكَ المسلم اَقْرَبُ إليكَ من غيره في هذا الإحسَانِ؟!! ، (( فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ) ) (2) يَعْنِي: إِحْسَانٌ
يَقُولُ أَحَدُ الإخْوَةِ: قَبْلَ أَمْسٍ بَنَينَا بِئْرًا فِي أَحَدِ الدُّوَلِ الإِفْرِيقِيَّةِ، في بِلَادِ مسْلمينَ وَالقريَةُ التي بَنَينَا فيها البئْرَ فيها قَلِيلٌ منَ النَّصَارَى، وَلَّمَا أَنْهَيْنَا بِنَاءَ البئرِ، وَصَارُوا يَشْرَبُونَ مَاءً زُلَالًا بَدَلَ المسْتَنْقَعَاتِ، يقول ذَهَبْتُ بنَفْسِي، وَطَرَقْتُ البَابَ علَى النَّصَارى ، وقلتُ لهمْ: هَذَا البئْرُ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَشْرَبُوا منْهُ، وَقُلْتُ للمسْلمينَ: إذَا أَتَى أَحَدٌ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَ لاَ تمنَعُوه.
هَذَا هوَ المنْهَجُ، لكنْ ألَا يَكُونُ هذَا الخُلُقُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيكَ مِمَّنْ يَحْمِلُونَ هَمَّكَ وَتَسِيرُ أَنْتَ وَهُمْ عَلَى منْهَجٍ تَدْعُونَ فيه إلى كتاب الله وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، لَابُدَّ مِنَ التَّعَاوُنِ، وَالتَّعَاضُدِ؛ وَإِذَا كَانَتِ الأمَّةِ عَلَى قَلْبٍ وَاحدٍ لَا يستطيعُ أَحَدٌ أَنْ يُقَاوِمَهُ، وَانْظُرْ اليومَ الغَرْبَ ، كيفَ يُوَاجِهُ اجْتِمَاعَ المسْلِمِينَ عَلَى تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فِعلًا أَطْبَقَتِ الأُمَّةُ مِنْ أَقْصَاهَا إلَى أَقْصَاهَا عَلَى تَعْظِيمِ القُرْآنِ ، وَإِنكَارِ هَذَا الحَدَثِ العَظِيمِ لَمَّا الْتَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى شَيءٍ أُرْعِبَ الكُفَّارُ، قَد لا يُرْعَبُوا خَوفًا، وَلَكِنَّ إِرْعَابَهُمْ قَدْ تُطَاوِلُهُ أَزَمَاتٌ بِسَبَبِ التَّحَدِّي لَلأُمَّةِ المسْلِمَةِ فَكَيفَ لَو أَنَّ المسْلمينَ كمَا يَلْتقُونَ عَلَى القُرْآنِ أَيضًا يَلْتَقُونَ عَلَى سُنَّةِ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَدْيِهِ وَالعَمَلِ لدينِهِ، وَالدَّعْوَةِ إلَى الله، وَإِلَى غَيرِ ذلك.
مَسْأَلة مُعَاصِرة مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّوَازِلِ، وَالفِتَنِ
مَسْأَلَةُ"الإنْتَرْنِتْ": وَهُوَ منَ الفِتَنِ العَظِيمَةِ، وَالكَلَامُ حَولَهُ يَطُولُ، لكنْ! أُحِبُّ أنْ أَخْتَصِرَ الكَلَامَ فيه منْ خِلَالِ عِدَّةِ نِقَاطٍ:
الأَوَّلُ: يَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أنَّ مثل هذه الفتنةِ - الإعْلَامُ - ومنْهَا فتنة الإنترنت لَا يمكنُ أنْ تكونَ فتنةً شَرًّا مَحْضًا بلْ سيكونُ فيها خيرٌ ، وَهَذَا الذي قَصَدْتُ أنْ يَنْطَلِقَ طالبُ العِلْمِ منَ الخير الذي يكونُ في مثل هذه الفتنةِ أو الشَّرِّ التي أَطَلَّتْ علينا به.
أيْ: أَنَّ الإنسانَ لَمَّا يرَى الإنترنت الآن دخَلَ البيوتَ, وَصَارَ مشْكِلَةً، كَيفَ أَتَعَامَلُ معهَا؟!! أَتَعَامَلُ عَلَى أَنَّهَا فتنةٌ، وَشَرٌّ؟!!
لَا! - ليس فقط -؛ وَلَكِنْ لَابُدَّ أنْ أَتَعَامَلَ مَعَهَا عَلَى أَنَّهَا مُنْطَلَقٌ للخَيرِ، وَالسَّعْيِ لِنَشْرِ الخَيرِ وَهَذِهِ الهِمَّةُ العَالِيَةُ.
بَعْضُ النَّاسِ مَثَلًا يَتَعَامَلُ معَ الإنْتَرْنِتْ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْلَمَ منهُ، وَالسَّلَامَةُ طَيِّبَةٌ!!
لكنَّ الهِمَّةَ الأَعْلَى منْهَا أَنْ تَرُدَّ السِّلَاحَ علَى العَدُوِّ، يَعْنِي: هَجَمَ علَيكَ العَدُوُّ بسِلَاحٍ تَتَّقِيهِ بِتِرْسٍ إِنْ صَحَّ التَّعبيرُ، هذَا نَوعٌ, النَّوعُ الثَّانِي: أَنْ تُمْسِكَ بِسِلَاحِهِ وَتَضْرِبَهُ بِهِ، أَيُّهُمْ أَقْوَي؟! طَبْعًا الثَّانِي، وَكَيفَ يَنْشَأُ هَذَا ؟!!
يَنَشْأُ حينَ يَنْشَأُ لَدَي طُلَّابِ العلمِ وَالمتَعَامِلِينَ مَعَ هَذِهِ الوسيلَةِ: عِزَّةُ نَفْسٍ بِهَذَا الإسْلَامِ، تَرْتَفِعُ بِهِ عنْ رَذَائِلِ الإنْتَرْنتْ, الشَّكْوَى اليَوم منْ رَذَائِلِه، وَإِبَاحِيَّتِهَا وَمَشَاكِلِه، وَنَحو ذلكَ يَجِبُ أَنْ تَسْمُوَ النُّفُوسُ، وتَرْتفعَ عن مثْلِ هَذِه الأَشْيَاءِ.
مثلَ طَالِبٍ يَذْهَبُ لِيَدْرُسَ في جَامعَةٍ فِي أمْرِيكَا أو كَنَدَا، أو في غيرهَا، فَيَجِدُ المسْتَنْقَعَات الإبَاحِيَّة، وَالطَّالِبُ الجَادُّ هُوَ الذي يَتَعَامَلُ مَعَهَا بكُلِّ وضُوحٍ، وَيُسْرٍ، وَيَرَاهَا انْحِطَاطًا؛ ولهذا تَرَاهُ يَرْتَفِعُ فَوقَهَا، وَيَسْمُو لِيَتَعَلَّمَ العلْمَ الذي جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَرْجِعَ نَاصِرًا لِدِينِهِ وَلِأُمَّتِهِ فَيَكُونَ مُتَخَصِّصًا فِي فَنٍّ منَ فُنُونِ الطِّبِّ وغيره منَ العُلُومِ العَصْرِيَّةِ ، وهو في نفْسِ اللَّحْظَةِ أقْوَى مَا يكُونُ إِيمَانًا، وَاسْتِمْسَاكًا بِدِينِهِ.
الثَّانِي: هُوَ الحَذَرُ كلُّ الحَذَرِ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ الإِنترنت إلَى مَدْرَسَةٍ لأَخْذِ العِلْمِ وَلِتَوجِيِهِ وَتَحْلِيلِ القَضَايَا وَغَيرِهَا، وَنَحو ذَلِكَ يعْنِي لَا يَصَحُّ أنْ يكونَ مصْدَرًا، وَأَعْنِي به ليس ما يُخَزَّنُ به مثلًا في بعض المَوَاقِعِ ِمنَ التَّفَاسِيرِ، أو كُتُبِ الفِقْهِ وغَيرِهَا هذَا التَّخْزِينُ مَا هُوَ إلَّا تَقْرِيبٌ للمَعْلُومَةِ، وَإِنَّمَا أَتَحَدَّثُ عَمَّا يَعْرِضُ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ ، فيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَؤَصِّلَ نَفْسَهُ التَّأصيلَ العلميَّ الشَرْعيَّ الصَّحيحَ، وأَنْ يَجْعَلَ تَعَامُلَهُ معَ الإنترنت هَو تعَاملُ الإنسان الذي قَدْ يَحْتَاجُ إليه في بعضِ الأحيَانِ ، ولَا أَرَى أنَّ طالِبَ العلمِ يتَحَوَّلُ إلى أنْ يَتَعَلَّمَ منَ الإنترنت؛ بل يَتَعَلَّمُ منْ كتبِ العلمِ وعَلَى المشَايخِ ويكونُ تعَامُلُهُ معَ الإنترنت كَأَيِّ وَسِيلَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ.