(4) المفضليات رقم 119 ، ص391
(5) المفضليات رقم 20، ص 108.
(6) الأغاني 1/165 ط الثقافة .
(7) الديوان ص 30 ، ت عبدالمنعم الملوحي ، دمشق .
(8) الديوان ص 185 شرح عبدالمنعم شلبي .
(9) في ظلال القرآن 4/2510
(10) عن واقعنا المعاصر: ص 294-295 محمد قطب .
(11) في ظلال القرآن 3/1258 .
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-إثبات صفة الغيرة لله على وجه يليق بجلاله. 2- غيرة الله على كتابه من انصراف الناس عنه وهجر التحاكم إليه. 3- غيرة الله على محارمه أن تنتهك. 4- الغيرة من صفات المؤمن. 5- الغيرة على الدين والعرض. 6- الدياثة وتبرج النساء والاختلاط صور لذهاب الغيرة في الصدور.
الخطبة الأولى
أما بعد:
روى مسلم في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يغار، وإن المؤمن يغار ،وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه ) ). وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفحَ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أتعجبون من غيرة سعد ،لأنا أغير منه، والله أغير مني ) ) [رواه البخاري] . وفي رواية له قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ) ).
وقد استدل العلماء بقول الله عز وجل: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون على أنها أصل في إثبات الغيرة لله تعالى ،ومن غيرته جل وعلا أن حرم الفواحش.
حديثنا عن الغيرة أيها الأحبة سيكون بإذن الله تعالى له جانبان ،غيرة الله ،وغيرة عباد الله من المؤمنين.
كما جاء في الحديث المتفق عليه: (( المؤمن يغار والله أشد غيرة ) ).
أما غيرة الله ،فاعلم أولاً بأن الغيرة صفة من صفات الله جل وتعالى ،غيرة حقيقية تليق بجلاله وعظمته ،ليست كغيرة المخلوق: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
فالله عز وجل يغار على كتابه الذي أنزله للناس ليكون منهجاً لهم ،يتحاكمون إليه في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم ،إذا ما الناس انصرفوا إلى مناهج أرضية ،تراضوها بينهم ،فمتى ما أعرض العبيد عن كتاب الله ،وحكموا قوانينهم الوضعية ،غار الله تعالى لكتابه ،فكتب الشقاء والاضطراب على ذلك المجتمع ،فلا راحة ،ولا أمن ،ولا استقرار ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً قال الله تعالى: بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج أي مضطرب.
إن القرآن لم ينزل ليقرأ في المناسبات ،أو ليفتتح به المؤتمرات والندوات ،وإنما أنزل القرآن ليعمل به ،ولهذا من غيرة الله تعالى فإن كتابه يرفع من الأرض في آخر الزمان ،ويسري عليه في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ،بل وحتى من صدور الرجال ،فيصبح الناس وليس معهم شيء من القرآن ،وذلك حين يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، فلا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ،ويكون ذلك في آخر الزمان.
فنسأل الله جل وعز أن يرحمنا برحمته حين يعرض الناس عن القرآن ،ولا يكون له الدور الذي من أجله أنزل. وكذلك يغار المولى جل شأنه على محارمه ،وهو كل ما حرمه الله ،وكل ما حرمه وقع في حماه ولا يجوز لأحد أن يقع فيه (( ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ) ).
ماذا يحصل لو وقع الناس في ما حرم الله؟ نزلت بهم البلايا والمصائب والمحن ،وضاق بهم سبل العيش من قلة الوظائف ،وارتفاع الأسعار وغيرها. يا معشر الأنصار ،خمس خصال إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم ،ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ،ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم ،ولم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم )) .
وكذلك يغار الله على أوليائه الصالحين ،وعباده المخلصين ،إذا أوذوا أو ضيق عليهم ، (( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) )ومن الذي يستطيع أن يحارب الله جل وتعالى ،وحرب المولى جل وعز طرف فيها، نتيجتها معروفة ،لكن لماذا يمكن الله في بعض الأحيان لأعدائه من أوليائه؟ لسببين والعلم عند الله ،الأول:ليزاد المجرمون إثماً ووزراً مع وزرهم وحتى يأتوا يوم القيامة مثقلين بالأوزار (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ).
السبب الثاني: حتى تزداد رتبة العبد رفعة في الآخرة ،ويزداد شرفاً في الدنيا.
ذكر أن عالماً قال كلمات حق أغضبت أحد الخلفاء فقال أحد بطانة السوء: اقتله يا أمير المؤمنين ،فقال الخليفة ،لا. إن هؤلاء يعلمون إذا قتلناهم كانوا شهداء ،وكنا بقتلهم من أهل النار.
أيها المسلمون: وأما عن غيرة المؤمن ،فإن من أعظم النعم على العبد أن يرزق الغيرة ،وذهاب الغيرة من قلب العبد معناه ذهاب الإيمان ،يقول ابن القيم رحمه الله:"إذا ترحلت الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة ،بل ترحل منه الدين ،والغيرة أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،فإن خلت من القلب ،لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف".
فأول ما ينبغي على العبد أن يغار على دينه ،وذلك بالتألم والغضب على حق يهان ،أو شريعة تنقض أو باطل يحمى ،أو منكر يُستر ،أو مجرم لدين الله يوقر ،ولابد أن ينتج عن هذا التألم والغضب مساندة للحق وأهله ،ونصرة للشريعة ودعاتها ،ومقاومة للباطل ودحره وفضح لأستار المنافقين وهتكه.
من الغيرة على الدين ،الوقوف مع الخيرين ،ومقاومة المبطلين والمفسدين مهما كانوا ،ولو كانوا أولي قربى.
المسلم الغيور ،هو الذي يقدم مصالح المسلمين على مصالحه الخاصة. كم هو خطر على الإسلام والمسلمين أن يتولى أمر مصالحهم فاقد الغيرة على دين الله.
والله إن حقوقاًً لتهمل ومصالح تموت ،والسبب: إسناد الأمر إلى من لم يذق للغيرة على الدين طعما، فمن أسندت إليه قضية في العرض ،كيف يغار وهو قد تقلب في بيئة لا تعرف للعفاف سبيلا، ومن أسندت إليه قضية في الدين ،كيف يغار وهو لا يرى للدين حرمة ،ولا للمسلمين ذمة.
إن المسلم الغيور هو الذي لا يغريه طمع، ولا يخيفه رهبة عن قول الحق.
الغيرة هي التي تجعل المسئول عادلاً في كل قضية واقفاً في حدود الإنصاف ،يراقب الله في كل عمل يعمله ،لا يبالي ذمه الناس أو مدحوه.
دُعي محمد بن بشير رحمه الله إلى قضاء قرطبة ،فاستشار صديقاً له في قبول الولاية ،فقال له: كيف حبك لمدح الناس لك وثنائهم عليك؟ وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل؟ قال:والله ما أبالي من مدحني أو ذمني ،وما أسر للولاية ،ولا استوحش للعزل ،فقال: اقبل الولاية ولا بأس عليك.
فيا أيها المسلمون ،اتقوا الله تعالى ،ولا تخشوا أحداً إلا الله ،وكفى بالله حسيبا. إن الله يغار إذا انتهكت حرماته ،وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ،فترقب أيها الظالم عقوبة الله ،مساءً أو صباحاً ،بياتاً أو ضحىً.