وعلّق عليها ابنُ القيم فقال: فأكملُ الناسِ هدايةً أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد جهادُ النفسِ، وجهادُ الهوى ، وجهادُ الشياطين، وجهادُ الدنيا ، فمن جاهد هذهِ الأربعة في اللهِ هداه اللهُ سُبلَ رضاهُ الموصلةَِ إلى جنته، ومن ترك الجهادَ فإنَّهُ بعيدٌ من الهدي بحسبِ ما عطّل من الجهاد ( الفوائد / 62 ) .
وإذا تجاوزنا فئةَ المفتونين المستقبلين لكل سوء، ولعلهم في مُجتمعنا قليل ، فالأكثريةُ هم من يرفضون الشرَّ والفساد، ولكنَّهم يتفاوتون بين رافضٍ سلبي لا يملك إلاَّ الرفض،َ وبين رفضٍ إيجابي يُفكِّرُ في المخارج، ويبحثُ عن الحلول، ويتلمسُ سبُلَ الخلاصِ ليُنجي نفسهُ ومجتمعهُ من كلِّ فتنةٍ وافدة، ذاك هو المعول، وهذا الصنفُ هم الأقلون ولكنَّهم المباركون، فأينَ نحنُ منهم ؟
إنَّ نفراً من الناس يشغلون أنفسهم بالتُّهم للأشخاص، والإسقاطِ لكلِّ فكرةٍ واردة ، والشغبِ على كلِِّ جديدٍ لم يألفوه، والرفضِ لكِ مستحدث - وإن كان فيه نفعٌ وخيرٌ- وهذه المواقفُ المز حيةِ للفراغ ، والمُفرَّغة للطاقة دون جدوى، ينبغي أن تكون شعاراً للأخيار، ولا دثاراً للمصلحين .
إنَّها سهلةَ التناولِ، بسيطةَ التكاليف ، ولكهنَّا ضعيفةُ الأثر، محدودةَ النتائج .
أمَّا الإيجابيةَ الدافعةِ إلى خوضِ غمارِ المعركةِ بسلاحِ العلم والإيمان واليقين. والمشتملةِ على برامجَ ومشاريعَ نافعةٍ، فتلك التي دُونها خرقُ القتاد .
أيَّها الناس:
مجتمعنا - كغيرهِ من المجتمعات - ينفتحُ ولكن كيفَ تكونُ الإيجابيةُ في ترشيدِ الانفتاح، ومجتمعنا - كغيره - يمرُّ بتحولاتٍ سريعة، فكيف نُساهمُ في ضبطِ زمامِ هذه التحولات ؟
ومجتمعنا - كأيِّ مجتمعٍ - تتزاحمُ فيه الفرصُ، فمن يُبادرُ إليها ويسبقُ إلى استثمارها ؟
عبادَ الله:
حديثُ الناسِ في هذهِ الأيام - الانتخاباتُ البلدية - وتساؤلاتُهم، هل يُسجلون ومن يُرشحون؟ ومن ينتخبون ؟ .
وهذه التجربة ُالتي تمرُّ بها بلادُنا ينبغي أن تُستثمرَ لصالحِ البلادِ والعباد ، وأن يتطَّلعَ الناسُ إلى الهدفِ الأسمى منها، ولا ينشغلون بشكلياتٍ ومظاهرَ بسيطةٍ بصورتها المعاصرة .
الانتخاباتَ البلدية بصورتها المعاصرةِ، تجربةً وافدةً، يُمكنُ الاستفادةُ منها بعد تهذيبها وتخليتها ممَّا علقَ بها من بيئتها، ومحضنِِ تجربتها ، فلا غِشَّ ولا تزوير، ولا كذبَ ولا مُخادعة، ولا تعدٍ على حقوقِ الآخرين، أو محاولةٍ لإسقاطِ الأكفاءِ المنافسين .
الانتخاباتَ البلديةِ ليست استعراضاً عشائرياً، أو تسابقاً قبلياً، ولكنَّها اختيارٌ للأمثلِ وإن كان الأبعد .
الانتخاباتِ البلديةِ شعورٌ بالمسؤولية المستقبلية، وسعيٌّ صادقٌ لتحقيقِ أعلى قدرٍ ممكنٍ من احتياجات المواطن ، ورعايةَ مصالحهِ، وتأمينَ حقوقهِ، وليست مجرد ظهورٍ إعلامي ، أو منصبٍ استشرافي ، أو إثباتٍ للذات ليس إلاَّ ؟ .
قبل أن تُسجَّل سل نفسك لماذا تُسجل؟ ومن سترشح؟ ما مقدارُ تَمثِّلك الأمانةَ والتزامَك بالصدق ، إنَّها نوعٌ من التزكيةِ، فمن تُزكي؟ وهي نوعٌ من الشهادةِ، فعلى ما تشهد ؟ .
لقد كان للمسلمين سبقٌ في الشورى ، مارسوهُ في عصورهم الزاهية، فضربوا أروعَ الأمثلةِ في تحقيقهِ، ورسولُ الهُدى r وقائدُ الأمةِ رُبما تنازلَ عن رأيهِ نزولاً عند رأي الأكثريةِ من المسلمين، ما لم يكن في ذلك نصاً أو مأثماً .
ومارس المسلمون بعدهُ - صلى الله عليه وسلم- المشورةَ واختيارَ الأمثل للمسلمين في ولايتهمُ الكُبرى والصغرى، فضربوا في ذلك أروعَ الأمثلةِ في الصدقِ والتحري، واختيار الأكفاء ، وكان مرشحُوهم عند حُسنِ الظنِ صدقاً وعملاً وإخلاصاً، ومارس المسلمون ( الاقتراع ) ، فكانوا مِثالاً في الإيثارِ والبذل، وشهدَ القرآنُ أنَّهم يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، لم يكن هذا في سِلمهم فحسب، بل وفي حربهم كانوا نماذجَ للإيثار، فشربةُ الماءِ للجريحِ النازف، رُبَّما دارت على أكثر من مجاهدٍ قعدت به الجراحُ عن مواصلةِ الجهاد ، فظلَّ هؤلاءِ الجرحى يتدافعون هذه الشربةِ، ويُؤثرون بها غيرهم، حتى استشهدوا جميعاً ولم يشربها أحدٌ منهم
إنَّهُ البُعد عن الشُّحِ والانعتاقِ من الأنانيةِ، تتجلى في أسمى معانيها ، فتتعانق مرتبةُ الجهادِ في سبيل الله مع خُلق الإيثارِ النبيل، ولو كان بأصحابهِ خصاصة .
تُرى كم يدركُ المسلمون ما في دينهم من سمُوِّ الأخلاق، وكريمِ السجايا؟ وكم يبحثون في تاريخهم ليروا نماذج من الشرِّ كانت أجسادهم جسوراً عبرَ عليها الإسلامُ إلى أممِ الأرض، وكانت في موتهم حياةٌ للآخرين، وكان جهادُهم عدلاً وحريةٌ للمظلومين !
(( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ) (الأحزاب:23) .
الخطبة الثانية
أيَّها المسلمون:
مؤهلاتُ الترشيحِ لأيِّ مسؤوليةٍ كثيرةٍ ومتكاملة ، وعلى قدرِ كبرِ هذه المسئوليةِ تزيدُ هذه المؤهلاتُ، وإذا كانت المُصداقيةُ والتقوى والصلاحُ، والنزاهةُ مؤشراتٍ مهمةٍ للترشيح، فلا بُدَّ أن يُضاف إليها القوةُ والسياسة والحكمة، والمعرفةُ والعلمُ بمتطلبات هذه المسؤولية، ويُرشدُنا كتابُ ربنا إلى شيءٍ من هذا ، فيوسفُ - وهو نبيُّ اللهِ حين تقدمَ لولايةِ خزائنِ الأرض، قدَّمَ بالقول (( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ) (يوسف: من الآية55) ومارسَ فيما بعد سياسةَ الاقتصادِ بنجاحٍ واقتدار ، ومن مشورتهِ (( حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ) ) (يوسف: من الآية47) .
وثمَّةَ توجيهٌ قرآنيٌّ إلى أهمِّ عناصرِ التولية والاستئجار، (( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين ) ) (القصص: من الآية26)
وفي مخزونِ السُنةِ والسيرةِ النبوية، توجيهٌ وإرشادٌ وتقديرٌ للمواهب والقدرات ، ووضعٌ للرجلِ المناسبِ في المكانِ المناسب ، فأبو ذرٍّ -رضي الله عنه- نصحهُ النبي- صلى الله عليه وسلم- ألاَّ يتولى المسؤوليةَ حين قال يا رسول الله: ألا تستعملني ؟ فضربَ رسول الله على منكبِ أبي ذر، (( وقال: يا أبا ذر، إنَّكَ ضعيفٌ وإنَّها أمانة ، وإنَّها يومَ القيامةِ خزيٌ وندامة، إلاَّ من أخذها بحقِها، وأدَّى الذي عليه فيها ) ) ( رواه مسلم ح 1825 ) فهذا أبو ذرٍ لا يُضيرُه ألاَّ يوليهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لمسؤولية، وإن كان أصدقُ الناسِِ لهجةً ، واعظهم زُهداً، فما هو ضعفُ أبي ذر ؟ قال الذهبي في تفسيرِ ضعفِ أبي ذر: فهذا محمولٌ على ضعفِ الرأي ، فإنَّهُ لو وُلِّيَ مالَ يتيمٍ لأنفقهُ كلّهُ في سبيلِ الخيرِ ولتركَ الفقيرَ فقيراً، والذي يتأمرُ على الناسِ،ِ يُريدُ أن يكونَ فيه حلمٌ ومداراةٌ ، وأبو ذرٍ- رضي الله عنه- كانت فيه حِدَّة ، فنصحهُ النبي-صلى الله عليه وسلم- ( ألاَّ يتولى أمرَ الناسِ ) ( السير 2/75 ) .
وإذا كان هذا توجيهُ النبي- صلى الله عليه وسلم- لواحدٍ من أصحابهِ النُجباءَ والسابقين إلى الإسلام .