فهرس الكتاب

الصفحة 8084 من 9994

عباد الله: والمخيف في الأمر أن العقوبة إذا حلّت ونزلت شملت الجميع إلا من رحم ربك قال تعالى: (( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (الأنفال: 25) .

وفي البخاري باب إذا أنزل الله بقوم عذابا بعثوا على أعمالهم قال ابن حجر رحمه الله وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن ؟! فكيف بمن رضي ؟! فكيف بمن عاون ؟! نسأل الله السلامة [9]

ويقول ابن القيم رحمه الله عن الذنوب وآثارها ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم ، ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد أن سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال عنهم من نعم وجد ذلك من سوء عواقب الذنوب كما قيل

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد *** فرب العباد سريع النقم [10]

وقال أيضاً وكأنه يشاهد حال الناس اليوم:"ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة فتزيل"

الحاصل وتمنع الواصل، فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته ولا أُستجلب مفقودها بمثل طاعته، فإن ماعند الله لا ينال إلا بطاعته، وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سبباً وآفةً تبطله، فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها معصيته، فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها .

ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله [11]

القضية الرابعة: إن جمع الأموال في مجال واحد وموضع واحد إضافة إلى كونه عرضة للزوال والخسارة في أي لحظة ، ففيه أيضاً تعطيل لمصالح وتجارات وصناعات أخرى

كم تركها الناس وصفّوا أموالهم وباعوا منازلهم وحاجياتهم بل واقترضوا لمدد طويلة وهكذا جمعوا مدخراتهم ليركموها جميعا في سوق الأسهم ؟ فكان ماكان والله المستعان.

ولعل في هذه الحادثة دعوة إلى التعقل والتوازن وتنويع التجارة والاستثمار لئلا تتعطل مصالح المسلمين أو تذهب أموالهم هدراً وهباءً في يوم وليلة

القضية الخامسة: وليس وقود هذه الأسهم هم الأثرياء وحدهم والراغبون في أكل أموال الناس من أي طريق بل اصطلى بنارها ضعفاء ونساء ودخلت فيها أموال مساكين ويتامى وأرامل وأيامى طلباً للرزق الحلال وتغطية للتكاليف الأسرية، وسدادا لديون سابقة ... ومن هنا وجب على المسئولين وفقهم الله وصنَّاع القرار وأهل الحل والعقد أن ينظروا في هذه القضية ويحفظوا أموال المسلمين ولا يدعوها تنزف يومياً وتذوب كما يذوب الجليد، على مرأى ومسمع من الجميع وعهدُنا بالمسئولين وولاة الأمر اهتمامهم بأمور الرعية وأحوالها في قضايا كثيرة ليست هذه بأقل منها بل حقيقة هي أشد ووقعها أنكى حيث إن الإحصائيات تقول: إن ما يزيد على أربعة ملايين فرد قد دخلوا في سوق الأسهم .

وقلما تجد بيتاً إلا وله نصيب منها بقليل أو كثير .

وإذا كان يقال"إن النظام لا يحمى المغفلين"فكيف يترك للمتلاعبين خلال فترات ماضية مزيداً من النجش وبثّ الإطمئنان وتصدير التوصيات الكاذبة وإغراء المجتمع بقوة السوق ومتانته من خلال وسائل الإعلام وتسابق المحللين الفنيين في الإذاعات والقنوات لبث الثقة والطمأنينة ، ودراسة المؤشرات وتبادل التوصيات ورفع معدلات المضاربة في شركات لا تستحق عشر قيمتها الحالية .

ثم بين غمضة عين وانتباهتها يحصل هذا الانهيار ويخرج كبار المضاربين من السوق وتختفي السيولة مباشرة ويتضاعف العرض ولا يقابله طلبات شراء بلا مسوغات اقتصادية أو أسباب أمنية أو اجتماعية بل على العكس، الأوضاع الاقتصادية والأمنية بحمد الله على أحسن حال ... ثم لم نرى أولئك بعد ... بل تواروا عن الأنظار وتلاشت تلك التوصيات والتحليلات و في بعضهم شبه بمن قال الله عنه: (( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (إبراهيم: 22) .

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه إلى يوم الدين:

القضية السادسة: إن الخسارة في المال مهما كانت فلن تعادل خسارة الدين والأخلاق وخسارة الأنفس والأرواح .

فالمال كالريش ينبت ثم يزول ثم ينبت وهكذا ..

وقد قيل: أحتال للمال إن ضاع فاجمعه

ولست للدين إن ضاع بمحتال

فهل تساوي أموالك كلها أن تسهر ليلة على السرر البيضاء ، ثم ماذا لو أصيبت إحدى رجليك أو يديك بألم شديد وقرر الأطباء بتر هذه الرجل أو تلك اليد ؟ .

أرأيت لو قيل إن هناك علاجاً في أقاصي الدنيا وقيمته جميع ما تملك أتراك تدفع هذا المال لصحتك ؟! ..

قطعاً لا أظن عاقلاً يتردد في ذلك ... إذاً ألا تحمد الله أن عافاك في بدنك وأطرافك فلقد أعطى كثيرا وأخذ قليلا ورزق وأنعم ووسَّع في الرزق فله الحمد على ما أعطى وله الحمد على ما منع .

ولا تنظر - أخي المسلم - إلى النعم المفقودة وإنما انظر إلى النعم الموجودة واستمتع بها واشكر الله على أن أبقاك صحيحاً مسلماً ، والخسارة هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة بالكفر والمعاصي: (( إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ) (الزمر: 15) .

القضية السابعة: ومن دروس هذه الحادثة أن لا ينظر المسلم إلى الأسباب المادية وحدها ويعتمد عليها وينسى سؤال الله تعالى وطلب الرزق منه وتعليق الأمور بمشيئته تبارك وتعالى .

وكم نرى من يجزم بأخبار مستقبلية دون تعليق ذلك بالمشيئة وتذكر جميع الأمور والمحفزات والتوصيات وكون مستوى السوق بفضل كذا وكذا وبسبب كذا وكذا وليس لمشيئة الله وذكر الله وفضل الله وعطائه أي ذكر على لسان الكثيرين من رجال الأعمال وأهل الاقتصاد والمال وقد عد العلماء ذلك نوعاً من كفر النعم قال تعالى: (( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ) ) (النحل: 83) .

يقول مجاهد: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي .

وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا .

وقال ابن عباس: عند قوله تعالى: (( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) (البقرة: 22) .

قال: الأنداد هو: الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ،

وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي .

وتقول: لولا كليبة هذه لأتانا اللصوص ولولا البط في الدار لأتى اللصوص... وقول الرجل لولا الله وفلان ..."."

ومن دروس هذه الحادثة: أن لا يتعلق الإنسان بأخبار شائعة ويبني تجارته على توصيات خادعة لم تبنى على أسس مالية واقتصادية صحيحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت