وكانت تلك الشركات منها ما هي محرمة بلاخلاف كالشركات الربوية أو التي أصل نشاطها محرم، ومنها شركات مختلطة أصل نشاطها مباح ولكنها تُقرض أو تقترض بالربا وقد أباحها بعض أهل العلم بضوابط معينة، والصحيح أنها محرمة لا يجوز الدخول فيها على الراجح من أقوال جماهير العلماء المعاصرين والمجامع واللجان الفقهية والشرعية والقسم الثالث شركات مباحة يجوز المساهمة فيها وهي معروفة عند أهل هذا الشأن ، وهي التي أصل نشاطها مباح وسلمت من القروض الربوية .
أيها المسلمون: وفي هذه الأيام بدأت أسواق الأسهم بالنزول والانحدار حيث المؤشرات تنزف نسباً يومية في أكثر دول الخليج وبعض الدول العربية ... وذهل الناس واندهشوا وأصيبوا بحالة من الوجوم والاستغراب في بداية الأمر ثم بدأ مسلسل الخسائر والمصائب وحلَّت بالمساهمين خسائر فادحة، وجوائح فاجعة، فترى بعض القوم لأجلها صرعى يتجرعون منها غصص البلوى ويرفعون بسببها الشكوى فكم ترى من مهموم مغموم مثقل بالديون وتسمع عن آخرين ارتفع عندهم ضغط الدم أو السكري أو كليهما فأدخلوا المستشفيات والمصحات وسمع الناس عن حالة وفيات، ومنهم من أصيب بانهيار عصبي؛ لأجل فقده جميع ما يملك ، وتصفية جميع محفظته التي كان قد اقترض نصف رأس المال فيها من أحد البنوك فاستوفى البنك مستحقاته وبقيت الخسارة يتجرعها هذا المسكين لوحده إلى غير ذلك من مسلسل المصائب والنكبات التي أفرزتها هذه الأزمة وهذا الانهيار السريع .
ولا ينكر أحد أن المال محبب إلى النفوس فطرة فهو عصب الحياة وشقيق الروح وبقدر ما يتمنى المرء الحياة والبقاء فهو يتمنى المال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر ) ) [2] .
من حديث أنس بن مالك وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين في حب الدنيا وطول الأمل ) ).
وفي هذه المصيبة المالية والنقيصة الدنيوية نذكر أنفسنا والمسلمين بعدة قضايا علها أن تساهم في التعزية والتسلية للخاسرين من جهة ، ومن جهة أخرى علها أن تساهم في تصحيح المسار وضبط الإستثمار لعموم المستثمرين والمساهمين .
القضية الأولى: يا كل مصاب بخسارة في هذه الأسهم ، اعلم أن الله ابتلاك في المنع كما ابتلاك في العطاء قال تعالى: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ) ) (آل عمران: 186) .
وقال سبحانه: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) ) (البقرة: 155) .
القضية الثانية: إن هذه الحادثة مورد من موارد الصبر وهو فريضة الوقت في هذه المصيبة ، فتذكر- أخي المسلم - أن الصبر على أقدار الله المؤلمة أحد أصول الإيمان قال صلى الله عليه وسلم"واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك"أخرجه أبو داود بسند صحيح .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ) ) [3] .
والصبر عباد الله من جميل الخلال، و محمود الخصال ، فلا تتسخط على أقدار الله ولا تقع في سب الدهور والأزمان ولاتلطم وجها أو تشق جيبا، واحذر أن تفتح على نفسك باب الشيطان الكبير وهو كلمة"لو"؛ فتقول لو أني ما فعلت ، لو أني ما ساهمت ... إنه أمر قضي وانتهى قال صلى الله عليه وسلم: (( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ) ) [4] .
والمؤمن يصبر اختياراً ، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم .
يقول عمر رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر .
ويقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الصبر مطية لا تكبو [5]
يجرى القضاء وفيه الخير نافلة *** لمؤمن واثق بالله لا لاهي
إن جاءه فرح أو نابه ترح *** في الحالتين يقول الحمد لله
وقال الحسن -رحمه الله-"والعبد كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبدٍ كريم عنده"وصدق من قال:
والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقه *** لكن عواقبه أحلى من العسلِ
وإذا صبر المؤمن زاد إيمانه ،وتطلع بعده إلى الرضا ،وهو أعلى درجة من الصبر التي يحفظه الله بها عن ما هو أشد منها .
يقول ابن القيم -رحمه الله- الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العابدين وقرة عيون المشتاقين ... ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمناً وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ، ومن فاته حظه من الرضا إمتلأ قلبه بضدِ ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه [6]
إذا اشتدت البلوى تخفّفْ بالرضا عن الله قد فاز الرضيُّ المراقب
وكم نعمة مقرونة ببلية على الناس تخفى والبلايا مواهب
القضية الثالثة: إن في هذا الحدث عبرةً وعظةً تستوجب الخروج من المظالم ، والتوبة من المآثم .. فكم ماطل أقوام بحقوق غيرهم ؟ ... بل وتحايلوا على أموال الناس أو أسمائهم رغبة في الثراء السريع والتجارة العاجلة ، فمنعوا حقوقاً لأصحابها طمعاً في المال وربما كتموا عنهم مقدار الأرباح واستأثروا بها عنهم مستغلين جهلم بحقيقة الاكتتاب وحركة الأسهم... وكم ولغ الناس في الأسهم المحرمة الربوية منها أوالمختلطة ، وتساهلوا في ذلك ولم يبالوا بأي تحذير أو توجيه ... أليس الربا شؤم وبلاء مؤذن بالحرب من رب الأرض والسماء قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ) (البقرة: 279) .
أليس الربا يمحق الخيرات والبركات: قال تعالى: (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) ( البقرة: 276) .
ولذلك إشتد خوف السلف من الحرام وحذروا منه أشد التحذير، إمتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ) ) [7] .
وقال ابن مسعود لا يكتسب عبد مالاً حراماً فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن ولكن يمحو السيء بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"."
وكانت المرأة توصي زوجها عندما يخرج للعمل وطلب الرزق فتقول له"يا هذا اتق الله فينا: إنا لنصبر على الجوع ولا نصبر على النار".
وللذنوب -عباد الله-: عقوبات وبليات وأزمات ونكبات وقد تساهل الناس بالربا والمشتبهات إلى حد كبير نسأل الله السلامة والعافية حيث تطلّب بعض الناس المال والتجارة من أي طريق قال صلى الله عليه وسلم: (( يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ المال أمن حلال أم من حرام ) ) [8] .
وكم من قضايا ومخالفات شرعية حصلت في زحمة انشغال الناس في أسواق الأسهم ،
فمنها: ترك الصلاة بالكلية، أو تأخيرها عن وقتها في صالات الأسهم وأمام الشاشات .
وكم من قضايا الكذب والتزوير والإشاعات والتوصيات الكاذبة ... أليست كلها ذنوب ومعاصي وبعضها موبقات وكبائر ؟ ! .