غاب الدليل، وعزّ الناصح، وندر الزاهد، فكانت الدنيا همّ الناس عليها ينامون، وهي شغلهم وحديثهم حين يستيقظون فتحت عليهم الدنيا فتنافسوها، وأغرتهم بزخارفها ففتنوا بها، أحبوا من أجلها، ولها يغضبون، تشبعوا بها، وعرفوا كثيراً من أسرارها فباتوا بها يقيسون أقدار الناس ويحددون مكانتهم وقربهم أو بعدهم !
مهلاً أيها الراكضون .. فالسراب يخدع، والطمع يذهب ما جمع، والدنيا غدارة والمال أمانة والقيم الباقية لا تقارن بالُمتع الزائلة .
يا ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت .. بحسبك لقيماتٍ يقمن صلبك ومسكناً يسترك وذريتك ومركباً يحملك إلى مقاصدك وما قلّ وأغنى خيرٌ مما كثر وألهى ... يا ابن آدم إذا أصبحت آمناً في سربك معافى في بدنك عندك قوت يومك وليلتك فكأنما حيزت لك الدنيا بحذافيرها .
يحدثنا التاريخ ويشهد الواقع أن ناساً جمعوا مالم يأكلوا وتعبوا وعاجلهم الموتُ قبل أن يستريحوا وينعموا، تحملوا المتاعب، وأطافت بهم الهموم، ثم رحلوا بالشوك وبقيت الأزهار يقطفها غيرهم، وتمتع بالمال من لم يتعب به وربما غفل عن الترحم على من جمعه، أو بخل بالصدقة على من ورّثه، وهيهات أن ينفع الندم حين يقع المأثم ومشاغلُ الدنيا وفتنة المال لا تقف آثارها عند حد وإذا كانت المنغصات على الفقراء واردةً، فهي كذلك على الأغنياء وربما كانت أكثر، وسل أسِرة المستشفيات تنبيك باليقين .
المهموم بالدنيا لا تسأل عن حالِ صلاته، وربما حضر بجسده والقلبُ سارح في أودية الدنيا، لا يكاد المفتون بالدنيا يجد الراحة والطمأنينة والخشوع ، وربما تقاعس عن السنن الرواتب فكان الخرق في الفرض وغابت رقاعُ السنن عقب الفرائض ومع انشغال النفس بالحطام ربما ضاق الوقت عن قراءة القرآن وإن قرأه فبدون تدبر، وبالتجربة فهجر القرآن له علاقة بفتنة الدنيا وحين يتفرغ قلب الزاهد في الدنيا للذكر آناء الليل وأطراف النهار .. فلربما ضاق وقت المفتون بالدنيا عن أوراد الصباح والمساء .. فضلاً عن لهج اللسان بالذكر في كل حين ..
ومع الانشغال بالدنيا قُطعت الأرحام أو ضعف وصلها ، وتناكرت القلوب أو قست فكانت كالحجارة أو أشد حتى بين الأصحاب والأحباب والجيران ومع الفتنة بالدنيا نسيت الحقوق وكثر العقوق ووقع الطلاق .. بل كثرت الخصومات والمنازعات .. وربما أغرى الشيطان فكان القتل حيث يبلغ السيلٌ الزبا.
إنها أدواءً وأدواء، وآثارٌ مفزغة للفتنة بالدنيا، واتخاذها غاية وهدفاً .. ونسيان الحساب والجزاء .
كم تقرع القوارع والقلوب غافلة، وكم تُشيع الجنائزُ .. والتأثر بها في ذات اللحظة، كم نسمع عن ثري عاجله الأجل قبل أن يتربع على كومة ما جمع، وكم يتناقل الناس أخباراً عن شخص أو أشخاص كانوا بالأمس في عداد الأغنياء وهم اليوم في عداد البائسين الفقراء .. إنها الدنيا غدارة غرارة صرعاها بالمئين ..وعُبِرها وقتلاها بالملايين .. والسعيدُ من وعظ بغيره والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ...
عباد الله: قارنوا بين صورتين قريبتين، يُمثل آباؤنا وأجدادنا الصورة الأولى، فمع قلة ذات اليد ، ومع قسوة الحياة كان الالتزام بشعائر الإسلام الظاهرة والباطنة، وكانت الصلة وإن قلت وسائل الاتصال، وكان الإحسان وإن قلّ المال وكان الشكر والذكر وتلاوة القرآن وإن باتوا طاويين في بعض الليالي، والأيام واليوم نعمٌ تترى وأموالٌ تتدفق، مراكب ومساكن وخدم وحشم ووسائل للراحة لا تعد ولا تحصى .. ومع ذلك يقل الشكر والذكر وتبصر في وجوه الناس وكأنهم لكثرة همومهم وطول انشغالهم في الدنيا - فقراء معوزون - ولا تسأل عن التخوّض في الحرام والتكاسل في الواجبات والأركان فضلاً عن السنن ونوافل الطاعات.
ألا وإن الغني ليس عن كثرة العرض، لكنه غِنى النفس ألا وإن السعادة ليست بجمع المال ولكن التقّي هو السعيد ألا وإن الفقير يأكل ويلبس كما يأكل الغني .. وعلى الغني حمالة ليست على الفقير ..
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: أهل الأموال يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب ويلبسون ونلبس ويركبون ونركب ، ولهم فضولً أموال ينظرون إليها ، وننظر إليها معهم، وحسابهم عليها ونحن منه براء ( الذهبي: سير أعلام النبلاء 2 / 350 ) .
إلا وإن في أثرياء السلف عبرة وعظة أولئك كانوا يمسكون الدنيا بأيديهم ولم تتعلق بها قلوبهم، وكانوا يتملمون من الأموال حين تجتمع عندهم حتى ينفقونها في سبيل الله وهذا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يأتيه مالً من حضرموت يبلغ سبعمائة ألف فيبيت ليلة يتململ، فقالت له زوجته مالك ؟ قال تفكرت منذ الليلة فقلت: ما ظنُّّ رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته ؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسمه، فقال لها رحمك الله إنك موفقة بنت موفق - وهي أم كلثوم بنت الصديق ، فلما أصبح دعا بجفانٍ فقسمها بين المهاجرين والأنصار وبعث إلى علي منها بجفنة فقالت زوجته أبا محمد أما كان لنافي هذا المال من نصيب ؟ قال فأين كنت منذ اليوم فشأنك ما بقي، فكانت صرة فيها نحو ألف درهم (السير1/31) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا* وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا* كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) ) (الإسراء: 18-21) .
الخطبة الثانية
أيها المسلمون: الحديثُ عن الدنيا والتحذيرُ من الاغترار بها لا يقصد منه الدعوة للقعود والكسل والتراخي والتواكل عن الطلب كلا ... فلا رهبانية في الإسلام ، ولئن يسعى الإنسان في مناكب الأرض بحثاً عن نصيبه من الدنيا خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه، وأنبياءٌ الله وصفوة خلقه كانوا يأكلون من كسب أيديهم، وفي القرآن العظيم (( وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) ) (القصص:77) .
ومن ظن أن الزهد حرمان النفس من أكل الطيبات من الرزق أو تحريم للزينة التي أخرج الله لعباده أو أن الزهد معارض للهيئة الحسنة، والخلطة النافعة بالخلق.. من ظن هذا أو نحوه من فهومٍ خاطئة عن الزهد فقد غلط وأخطأ طريق الحق
إن الزهد الحق ترفعٌ عن الحرام، وبذل الفضول من الأموال ، وشكرٌ للمنعم وإحسان للمعدم ..وما أجمل الأغنياء يقتصدون في متاع الدنيا مع قدرتهم عليها ...
قدم عمرٌ رضي الله عنه الشام حين كان المسلمون يرابطون هناك، وأميرهم أبو عبيدة رضي الله عنه ..فطلب أبا عبيدة ثم جاءه وسار معه حتى أتى منزله فلما دخل عمرٌ لم ير في بيت أبي عبيدة إلا سيفه وترسه ورحْله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعاً أو قال شيئاً، فقال يا أمير المؤمنين: هذا سيُبلغّنا المقيل (السير 1 / 16) .
وروى أن عمر لم ير في بيت أبي عبيدة إلا لِبْداً أو صحفةً وشنّاً، قال هذا وأنت أمير، أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جُونةٍ فأخذ منها كسيراتٍ .. فبكى عمر فقال له أبو عبيدة قد قلت لك أنك ستعصر عينيك عليَّ يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يُبلغك المقيل، قال عمر غيَّرتنا الدنيا كَّلنا غيرك يا أبا عبيدة (الذهبي: السير1 /17) .