إذن لابُدَّ من الترويحِ عن النفسِ، لابُدَّ من التخفيفِ عنها، كما قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم:"سَاعةً وساعةً".
وهنا أخي العَزيزَ يأتي دَورُ الأهواءِ والرغباتِ في فهمِ كلامِ النبيِّ:"ساعةً وساعةً". وصدقَ أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه حينما قالَ:"أخافُ عليكُمْ اثنتينِ: اتباعَ الهوى، وطولَ الأملِ، فإنَّ اتباعَ الهوى يصُدُّ عن الحقِ، وطُولَ الأملِ يُنسِي الآخرةَ".
ساعةً وساعةً! نعم ساعةً وسَاعةً.
لكنْ هل يعني ذلك أنَّها ساعةٌ للطاعةِ وساعةٌ للمعصيةِ!؟.
هل المرادُ ساعةٌ لربكَ، وساعةٌ لنفسِكَ تفعلُ فيها ما تشاءُ وتختارُ!؟.
إن هذا المفهومَ لا يمكنُ أن يحتملهُ كلام النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا يمكن أن يُفهمَ ذلك منهُ.
إذ كيف يتصورُ أن يأمرَ النبي صلى الله عليه وسلّم بمعصيةِ ربهِ، والتعدي على حُدودِه، وانتهاكِ محارمهِ؟!.
أما علمتَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم لم يكنْ يغضبُ لنفسِهِ، ولكن إذا انتهِكتْ محارمُ اللهِ اشتدَ غضبُهُ، واحمرَّ وجهُهُ، فكيفَ يأذنُ إذاً بالمعصيةِ وهذا منهجُهُ، وهذه طريقتهُ؟!.
سبحانكَ، هذا بهتانٌ عظيمٌ!.
إنّ المفهومَ الصحيحَ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم"ساعةٌ وساعة". هو: ساعةُ لطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وساعةٌ يلهو بلهوٍ مباحٍ كما هو ظاهرُ الحديثِ، والذي يوافقُ روحَ الشريعةِ الغراء، يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) . [سورة القصص، الآية: 77] .
إن ربّك عزَّ وجلَّ يأمركَ أن تستعملَ ما وهبكَ من المالِ الجزيلِ والنعمةِ الطائلةِ في طاعته والتقربِ إليهِ بأنواعِ القرباتِ التي يحصُلُ لكَ بها الثوابُ في الدارِ الآخرةِ: (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) . ممَّا أباحَ اللهُ فيها مِنَ المآكِلِ والمشارِبِ والمساكِنِ والمناكِحِ (2) .
فأيُّ دينٍ أعظمُ من هذا؟!.
وأيُّ شريعةٍ أكملُ من هذِهِ الشريعةِ، التي راعتْ بينَ جوانبِ الحياةِ كُلِّها وأعطتْ كلَّ ذي حقٍّ حقهُ؟!.
أيها الأخُ العزيزُ:
إنّ الإسلامَ لا يقفُ في وجهكَ حجرَ عثرةٍ عن التنزهِ والترفهِ إذا كانَ ذلكَ وفقَ الضوابطِ الشرعيةِ التي تكفلُ لكَ ولأسرتِكَ السلامةَ والعافية في الدَّارين.
ولكنْ إذا صاحبَ ذلكَ تفريطٌ وإفراطٌ هنا يأتي التحذيرُ والمنعُ، لا من أجلِ حرمانكَ من التمتعِ، كلاَّ؛ بل مِنْ أجلِ المحافظةِ عليكَ من أن تحيطَ بكَ السيئاتُ من كلِّ جانبٍ فتهلكَ فتكونَ من الخاسرينَ.
ما أجملَ - واللهِ - أن تكونَ النُّزهةُ عامرةً بذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ والمحافظةِ على فرائضِ اللهِ.
ما أجملَ أن يكونَ لكَ بهذِهِ النزهةِ عبرةٌ ومُدكرٌ، فكما أنَّك لا تبني في هذه النزهةِ قصوراً ولا تؤمل فيها آمالاً، لأنك على يقينٍ من أن لكَ داراً في المدينةِ ستعودُ إليها، كذلكَ فإنَّ عليكَ أن تعلمَ أنَّ هذه الدُّنيا دارُ فناءٍ وأنَّ لكَ داراً أخرى تنتظرُكَ، فماذا أعددتَ لهَا؟!.
ما أجملَ أن تكونَ تلكَ النزهةُ في ذلكَ الهواءِ الطلقِ، والسماءُ الصافية، والألوانُ الزاهيةٌ التي تجعلكَ تنظُرُ وتتأملُ في نجومِ السماءِ وأفلاكِها، والتي قد لا تَراها في المدنِ، فتكون ممِن قالَ اللهُ فيهم: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) .ِ [آل عمران:191] .
ما أجملَ تلكَ النُّزهةَ التي تكونُ فيها النُّكتةُ المباحةُ، والفائدةُ الممتعةُ؟!.
ما أجمل - واللهِ - ذاك الرجلَ الذي أخذ أسرتهُ وذهبَ بهم للترويحِ البرئِ بمكانٍ خالٍ من أعينِ المتلصصينَ على عوراتِ الناسِ ومحارِمهمْ؟!.
هذهِ كلُّها جميلةٌ، ولكنَّ الذي يكدرُ الخاطرَ، ويؤنب الضمائرَ ما نراهُ في تلكَ المنتزهاتِ الجماعيةِ، أو ما تسمى بالعائليةِ من مشاهدَ مقززةٍ من تبرجٍ وسفورٍ، وارتفاعٍ لأصواتِ النساءِ، حتى وصلَ الأمرُ ببعضِ النساءِ أن تستخدمَ أرجوحةَ الأطفالِ والأجانبُ ينظرونَ! ويجري هذا تحتَ سمعِ وبصرِ الأولياءِ!.
فيا سبحان اللهِ!.
أوصلَ حالُنا إلى ما نرى؟!.
أفقدتِ الغيرةَ؟!.
أذُبحت الأخلاقُ؟!.
أخي العزيزَ:
إنِّي أحدِّثك عن مفاسِدِ تلكَ المنتزهاتِ العائليةِ المختلطةِ سواءً كانتْ معدةً لذلكَ أم لا، والتي قد تُطالبُ بها حتى تكونَ لكَ ولعائلتِكَ متنفساً، ولكن رجائي أن لا تفرَّ بسمعِكَ أو بقلبِكَ عن حديثي.
أخي الكريم:
هلْ يمكنُ لكَ أن تنبسطَ مع أولادِكَ وأهلكَ في مثلِ تلكَ التجمعاتِ؟!.
هلْ يمكنُ لزوجتكَ أن تأخذَ راحتها وأُنسَها، وتتأملَ في ملكوتِ اللهِ تعالى، والناسُ من حَولِها، والأسرةُ بقربِ الأسرةِ!؟.
ثم كمْ من الشبابِ الذين يترصدونَ لاصطيادِ الفتياتِ في تلكَ التجمعاتِ، والذين لا همَّ لهمْ إلا النظرَ في عوراتِ الناسِ؟!.
وكم من الشبابِ الذين نراهُمْ في سيارتهِم وقد رفعُوا أصواتَ المُوسيقى الصاخبة،ِ فهل يمكنُ أن تعملَ شيئاً؟!.
وهل يمكنكَ أن لا تُسمِعَ تلكَ الأصواتِ أولادكَ وأسرتكَ؟!.
وكم من المشاهِدِ ستراها أنت بنفسكَ، وهي لا تحلُّ لكَ؟!.
فمن الذي يُبيحُ لكَ رُؤيةَ النساءِ المتبرجاتِ؟!.
وهل يمكنكَ في تلكَ الأماكنِ أن تغضَّ طرفكَ؟!.
وإن غضضتهُ عن تلكَ، فهل يمكنُ أن تغضهُ عن الأخرى وغيرِها؟!.
إن حديثي إليكَ بهذه الصراحةِ لعلميِ أنك رجلٌ تقدرُ شعائرَ دينكَ حقَّ قدرِهَا، وتضعُ لها الأولوياتِ في حياتِكَ، ولا يمكنُ أن تعملَ شيئاً إلا بعد أن تعرفَ حكمَ اللهِ تعالى فيهِ، لأنكَ رضيتَ بهذا الدينِ، ورضيتَ باللهِ رباً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلّم نبياً، ولذا قد تقولُ لي إنَّ لها إيجابياتٍ، وأوافقكَ على ذلكَ، ولكنْ سلبياتهِا أكثرُ من إيجابياتِها.
وإذا كان الأمر كذلكَ فدرءُ المفسدةِ مقدمٌ على جلبِ المصلحةِ.
ولعلك يا أُخي لا تقتنعُ بكلامي هذا وتقولُ: إن هذا ضربٌ من التعجيزِ والتعقيدِ والدينُ يسرٌ!، وأقولُ لكَ بلسانِ المشفقِ: ربما لن يستيقظَ قلبكَ إلاّ إذا لُدِغتْ - لا سمحَ اللهُ - وعندها لن ينفعُ ندمٌ.
ثم يا أخي العزيزَ، ربما قلتَ: إنني أجدُ ضغطاً من أسرتي وإلحاحاً، فأقولُ لكَ قالَ اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) . [سورة التغابن، الآية: 14] . وأعلم أنَّك مسئولٌ أمامَ اللهِ عن هذه العوراتِ التي أخرجتَها من بيوتٍ ساترةٍ، فلا تجعلها أمامَ الناسِ سافرةً.
بارك الله لنا جميعاً في القرآن العظيم، ونفعنا بمواعظه وزواجره.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ لله وحده، والصلاةُ والسلام على من لا نبيّ بعده، وبعد:
أخي الفاضلَ:
لعلكَ تقول بلسانِ حالكِ، أو بلسانِ مقالكَ: شخصتَ لنا الداءَ، ولم تشخصْ لنا الدواءَ! منعتنا من التنزهِ في تلكَ المنتزهاتِ المختلطةِ، ولم تذكر لنا بديلاً عنها!.