فهرس الكتاب

الصفحة 8659 من 9994

وهنا يلجأُ العبد الصالحُ , والداعيةَ الناصح , يلجأ ُإلى السِلاحِ الذي لا يُهزم, والذي طالما فَتَكَ بالظالمين, وشتتْ شملَ الملاحدِة والمجرمين . (( قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ. فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ .ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ) (سورة الشعراء ) .

هكذا بلمحةِ بصرٍ, وساعةِ انتقامٍ وشدة, هَلَكَ المحاربون للإسلامِ من قومِ نوح , وبقي الإسلام شامخاً عزيزاً, غصةً في حلوقِ المنافقين، وهذا صالحٌ- عليه السلام- , يدعوا قومه بكل عطفٍِ وإشفاق , يدعوهم إلى الإسلامِ بمالهِ وكماله, وعدلهِ وإنصافه , حيثُ لاَ يبغي كبيرٌ على صغير , ولا يتعدى ذو جاهٍ على ضعيفٍ أو مسكين , وحيثْ شرعُ اللهِ الذي يُحكم, وعدلهُ الذي يسود, فلا عبوديةَ لبشر, ولا طاعةَ لطاغوت, لكنَّ أعداءَ الله يُشعلون حرباً جديدةً ضدَّ نبيهمِ المشفق عليهم , الراغبُ في تخليصهِم من مستنقعِ الرذيلة , ووصلِ الوثنية , واقعين في الخطأِ ذاتهِ الذي وقع فيه أسلافُهم من المجرمين , من المحاربينَ للإسلام الكائدينَ له , المتربصينَ بأتباعه وأنصاره , بل إنَّ أولئكَ البائسينَ من قومِ صالح , ليُحيكونَ المؤامرات, ويَنسجونَ الخطط للهجومِ ليلاً على بيت صالح-عليه السلام- وقتلةِ والتخلصِ منه , ثُمَّ بعد ذلك يُنكرونَ صلَتهم بالجريمةِ، ويبرءون من دمه ، براءةَ الذئبَ من دمِ يوسُف, واستمْع إلى حديثِ القرآن يكشفُ تلكَ المكيدة , ويفَضحُ خيوطَ المؤامرة معقباً بذكرِ مآلهِمُ الكئيب , ونهايتهُم المبكية, ومعلناً عن درسٍ جديدٍ لزمرةِ الكفرةِ والمنافقين، لو كانوا يفقَّهون . (( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ .قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ) (النمل:52) ز

لقد هلك المحاربون للإسلام من قومِ صالح، وبقي الإسلام .

وهذا شعيبٌ- عليه السلام- يلاطفُ قومَهُ بأرقَّ عبارة, وأجملِ أسلوب, ويَدعُوهم للكفِّ عمَّا هم فيه من عبادةِ الأصنام , و تقديسِ الأحجار, ويُنَادي بإصلاحِ الاقتصاد الذي أخذ في الانحدار, نتيجةَ تطفيفِ الكيلِ والميزان , وبخسِ الناسِ أشياَءهم, وأكلِ أموالهم بالباطل, لكنَّ أعداءَ الله , الراغبينَ في إبقاءِ الأوضاع المترديةِ كما هي, يعُلنونها حرباً جديدة ضدَّ ذلكَ الناصحِ الأمين , قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نفعل في أموالنا ما نشاء وانك لأنت الحليم الرشيد , بل إنَّهم ليذهبون إلى أبعد من هذا, إنَّهم يُهددون ويتوعدون بالبطشِ والتنكيل. (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) ) (هود:91) .

وبدأ الملأُ وعِلية القوم ينادونَ في أرجاءِ المدينة , ويصرخونَ في جنباتِها , يُحذِّرون الناس من اتباعِ شعيب, أو الإيمانِ بدعوته, مدَّعينَ بأنَّ من أتبعهُ أو صدقهُ فإنَّ مآلهُ الخُسران والضلالُ المبين . (( وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ) ) (لأعراف:90) .

حتى إذا بلَغَ السيلُ الربي , آذنتْ شمسُ الكفرةٍ بالمغيب, نزلتْ العقوبةُ الخاطفة, والنقمةُ المهلكة. (( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ.الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ) ) (لأعراف:92) .

وهكذا طُويت صفحةُ الظالمين, لقد ذَهَبَ المحاربون للإسلام من قومِ شعيب، وبقي الإسلام , وهذا محمدٌ - عليه الصلاة السلام - سيدُ البشريةِ ورسولُها العظيم, يصدعُ بدعوته, ويجهرُ برسالتهِ في وسطٍ بدائيٍ مُتخلف, باعوا كرامَتهم تحتَ أقدامِ اللات والعُزى, وذبحواَ إنسانيَتهم على أعتابِ مناةِ الثالثةِ الأخرى, وأجَّروا عقولَهم لجماعةٍ من الدجاجلةِ والمخرفين, يَسوقونهم إلى الجحيم ، ويقَودوُنهم إلى الهاوية .

فَجاهَدَ- عليه السلام- تلك الأوضاعَ البائسة, وذلكَ الانحرافَ المخيف, وصَمد في وجهِ الباطلِ المنتعش, كالهرِ يحكي صَولَة الأسد , وتآمر المجرمون كعادتهم، مُحاولينَ خنقَ ذلكَ الصوتَ المُتقد حيويةً ونشاطاً, الراغبُ في إنقاذِ أمتهِ من الجاهلية ِالمتراكمةِ عبر السنين, وتخليصهِا من عبوديةِ الأوثانِ والأصنام, والأموالِ والأهواء, والشهواتِ والمتاعِ الرخيص, واستهلَ المجرمون معركتَهم بسردِ قاموسٍ طويلٍ من الشتمِ والسبِ الغليظ, وتهمٍ بالوسوسةِ والدردشةِ والسحرِ والشعوذة, والكِهانةِ والعَمالة, ثم بدأتْ المواجهةُ تأُخذُ مساراً جديداً, فاجتمعتْ العقولُ الخاوية , والأيدي النجسة, تحيكُ خيوطَ المكيدة, وتنسجُ ثيابَ المكرِ والخديعة، (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) (لأنفال:30) .

وبعد أن وصلتْ القضيةُ إلى طريقٍ مسدود, وأصرَّ صناديدُ قريشٍ على حربِ الدعوة, والتصدي للرسالة, والحيلولةِ بين الرسولِ وبين البلاغِ المبين , خرج- عليه السلام- من تلك القريةَ الظالمِ أهلُها إلى أرضٍ يدعو فيها بأمنٍ وطُمائنية، لكنَّ المجرمين يتَعقَبونَهُ ويلاُحقونه, حتى خارج حُدود أرضهم, وذلك من مكرِ اللهِ بهم, حتى كانتْ ملحمةُ بدرٍ الكبرى, وفيها كان ذبحُ الباطل, وكشفُ الزيفِ, وهلاكُ المجرمين, لقد ذَهَبَ المحاربون للإسلام , و بقي الإسلامُ شامخاً قوياً كالجبال .

أيُّها المسلمون: ولقد تتابعت على هذهِ الأمة هجماتُ الأعداء من كل حَدَبٍ وصوب, ولم تتوقفْ المؤامرات ساعةً من ليلٍ أن نهار, كُلُهم يريدُ هدمَ الإسلام وهلاكَ أهلهِ ومعتنقيهِ , والقضاءَ على أنصارهِ ومحبيهِ, ولكنْ يذهب الأعداء ويَبقى الإسلام .

جاءَ التتارُ بألوفٍ مؤلفةٍ من الأوباشِ, يموجُونَ بالبحر ِالهادر, ويزحفونَ كالسيلِ الجارف في مغبةِ القوم, للقضاءِ على الإسلام , واستئصالِ شأْفته, فذَهَبَ التتارُ وبقي الإسلام, وشنَّ الصليبيون تسعَ حملاتٍ متتابعةٍ ضدَّ أمةِ الإسلام , فخابَ سعيُها, وتفرقَ شملُها, وهلكَ جُندها, ورجعت فلولُها تجرُّ أذيالَ الهزيمة , وتتجرعُ مرارةَ الفشل, لقد هُزم الصليبيون , وبقى الإسلامُ الدينُ الذي لا يُقهر , والجنُد الذي لا يُغلب.

(( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ*وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) )

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم ..

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت