فهرس الكتاب

الصفحة 5653 من 9994

ولما كانت بدر، ورجعت قريش تجر أذيال الهزيمة جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة. وكان ابنه وهب في أسرى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير، فقال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة، ابني أسير بأيديهم، فاغتنمها صفوان فقال: علي دينك أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم شأني وشأنك، قال: أفعل.

فأمر عمير بسيفه فشحذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، إذ نظر عمر إلى عمير حين أناخ على باب المسجد متوشحا سيفه. فقال: هذا الكلب عدو الله عمير، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحا سيفه، قال: (( فأدخله علي ) ). فأقبل عمر حتى أخذ بمحالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون. ثم دخل به عمر على رسول الله ، فلما رآه وعمر أخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: (( أرسله يا عمر، ادن يا عمير! ) )فدنا ثم قال: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله: (( قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة ) )، فقال: أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد به. قال: (( فما جاء بك يا عمير؟ ) )قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا إليه، قال: (( فما بال السيف في عنقك؟ ) )قال: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا، قال: (( اصدقني، ما الذي جئت له؟ ) )قال: ما جئت إلا لذلك، قال: (( بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فقلت: أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله. فقال لك صفوان: علي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم ) )، فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله: (( فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرؤه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا ) ).

ولما قدم رسول الله المدينة كان يخاف على نفسه الغيلة، فاتخذ حرسا حتى أنزل الله عليه: يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس [المائدة:67] .

أي: يا أيها الرسول بلّغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل إليك أحد منهم بسوء.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سهر النبي ذات ليلة مقدمه المدينة فقلت: ما شأنك؟ قال: (( ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ) ). قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: (( من هذا؟ ) )قال: سعد بن مالك. قال: (( ما جاء بك؟ ) )قال: جئت أحرسك يا رسول الله، قالت: فسمعت غطيط رسول الله ، فلما نزلت الآية قال: (( يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ) ).

ولما كان يوم أحد وتنازع المسلمون وعصوا الله ورسوله، وسلط الله عليهم المشركين انصرفوا عن رسول الله فعصمه الله: عن سعد بن أبي وقاص قال: (( رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله وعن شماله رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان دون رسول الله أشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل ) ).

وعن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله غزاة قبل نجد، فأدركنا رسول الله في القائلة في واد كثير العضاة، فنزل تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، فنادى رسول الله في الناس فقال: (( إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي والسيف صلتاً في يده، فقال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله . وكان ملك قومه، فانصرف حين عفا عنه فقال: لا أكون في قوم هم حرب لك ) ).

وحدث أن قتل رجل من المسلمين رجلين مشركين من بني عامر، معهما عقد وعهد من رسول الله لم يشعر به، فأخبر رسول الله فقال: (( لقد قتلت قتيلين لأديهما ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت