فهرس الكتاب

الصفحة 6549 من 9994

يعني لا تستدل بكل شيء يحصل على المكروه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الطيرة ويحب الفأل لأن الفأل فيه حُسن ظن بالله جل وعلا، والمؤمن مأمور أن يحسن الظن بربه جل وعلا.

وأما الطيرة ففيها سوء ظن بالله، بأن يفعل بك المكروه، وبهذا كانت من اعتقادات أهل الجاهلية ونهى عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (( ولا طيرة ) ).

ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( ولا هامة ) )وذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الذي قتل يظل طائرٌ على قبره يصيح بالأخذ بثأره، وبعضهم يعتقد أن الهامة طائرٌ تدخل فيه روح الميت فتنتقل بعد ذلك إلى حي آخر، فأبطل ذلك عليه الصلاة والسلام، لأن ذلك مخالف لما يمضيه الله جل وعلا في ملكوته، ولأن ذلك باطل من أصله، اعتقادات لا أصل لها ولا نصيب لها من الصحة.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( ولا صفر ) )وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (( ولا صفر ) )يعني لا تشاؤم بصفر وهو الشهر المعروف الذي نستقبل أيامه.

ثم لما قال عليه الصلاة والسلام: (( لا صفر ) )دلنا على إبطال كل ما كانت تعتقده الجاهلية في شهر صفر، فإنهم كانوا يتشاءمون بصفر ويعتقدون أنه شهر فيه حلول المكاره وحلول المصائب، فلا يتزوج من أراد الزواج في شهر صفر لاعتقاده أنه لا يوفق، ومن أراد تجارة فإنه لا يمضي صفقته في شهر صفر لاعتقاده أنه لا يربح، ومن أراد التحرك والمضيّ في شئونه البعيدة عن بلده فإنه لا يذهب في ذلك الشهر لاعتقاده أنه شهر تحصل فيه المكاره والموبقات، ولهذا أبطل عليه الصلاة والسلام هذا الاعتقاد الزائف فشهر صفر شهر من أشهر الله، وزمان من أزمنة الله، لا يحصل الأمر فيه إلا بقضاء الله وقدره، ولم يختص الله جل وعلا هذا الشهر بوقوع مكاره ولا بوقوع مصائب، بل حصلت في هذا الشهر في تاريخ المسلمين فتوحات كبرى وحصل للمؤمنين فيه مكاسب كبيرة يعلمها من يعلمها، ولهذا يجب علينا أن ننتبه لهذه الأصول التي مردها إلى الاعتقاد، فإن التشاؤم بالأزمنة والتشاؤم بالأشهر وببعض الأيام أمر يبطله الإسلام، لأننا يجب علينا أن نعتقد الاعتقاد الصحيح المبَّرأ من كل ما كان عليه أهل الجاهلية، وقد بين ذلك عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة ضرورة تخلص القلب من ظن السوء بربه ومن الاعتقاد السيئ في الأمكنة أو في الأشهر والأزمنة، كما أن بعض الناس يعتقد أن يوم الأربعاء يوم يحصل فيه ما يحصل من السوء، وربما صرفهم ذلك عن أن يمضوا في شئونهم.

ولهذا ينبغي علينا أيها المؤمنون أن ننبه إلى هذه الأصول وإلى الاعتقاد الصحيح وأن لا يدخل علينا اعتقادات باطلة ولا تشاؤم بأزمنة ولا بأمكنة، لأن هذا مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وللاعتقاد الناصع السليم الذي جاء به دين الإسلام.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والرشاد والهدى والسداد وأن يجعلنا معتقدين في الله الظن الحسن دائماً، وأن نعتقد أن الله جل وعلا مفيضٌ للخيرات على عباده.

ثم لنعلم أن ما عند الله جل وعلا إنما يجلب بطاعته، وأن المكاره المتوقعة أو الحادثة الحاصلة الموجودة إنما تدفع بالدعاء تارة وبطاعات الله تارة ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال جل وعلا: ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً [الطلاق:4] .

فلا يرد القدر والقضاء إلا الدعاء ولا تستدفع أسباب الهلاك وأسباب الفساد في النفس أو في ما حولك إلا بطاعة الله جل وعلا، جعلني الله وإياكم من المرحومين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [سورة العصر] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه حقاً وتوبوا إليه صدقاً إنه هو الغفور الرحيم.

[1] رواه البخاري عن أبي هريرة ح (5757) ، ونحوه في مسلم ح (2220) .

[2] رواه مسلم عن أبي هريرة ح (2221) .

[3] رواه أحمد عن أبي هريرة ح (9429) ، ونحوه في البخاري في باب الجذام.

[4] رواه أبو داود ح (3910) عن ابن مسعود والترمذي ح (1614) .

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ عن الجماعة شذ في النار.

ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال قولاً كريماً: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً [الأحزاب:56] . وقال عليه الصلاة والسلام: (( من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً ) ) [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت