إذن تبين لنا أن الإيمان بالله هو من الإيمان بالغيب، الذي جعل الله الإيمان به دليلاً على قوة الإيمان. ومن الإيمان بالله: التصديق بكتبه ورسله، والعمل بما أمرنا الله به ورسوله، ويشمل: توحيد الله في ربوبيته بأنه الخالق المالك المدبر، كما يشمل الإيمان بألوهيته التي لا يخضع لها كثير من البشر اليوم، حيث أن الله تعالى هو المعبود بحق وحده لا شريك له، وما سواه باطل. ويشمل الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته كما سمى ووصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكذا الإيمان والتسليم لله في الحكم والأمر فإن التشريع والأحكام التي تنظم حياة البشر هي من خصوصية الله، ولا يشاركه فيها أحد؛ فإن شاركه واعترض عليه كفر، ولهذا قال -تعالى-: (( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ) (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ) (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ) (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) )فهذا كله يلزم من الإيمان بالله، ولا يكفي الاعتراف المجرد، أو التصديق الذي لا يوافقه عمل، بل لا بد من الجمع بين: تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح... إذن، فكل من آمن بهذه الأمور التي تجب لله تعالى كان حقاً من المتقين؛ لأنه آمن بالله الذي لا يراه أحد في هذه الحياة فهو غيب من الغيوب.
ومن الغيب كذلك الملائكة: فهم جنود الله، وعباده وأولياؤه وأحباؤه، هم الذين: (( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) )وهم الذين (( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) )فلهذا كان الإيمان بهم واجب، وهذا الإيمان دليل على تقوى العبد وقوة يقينه بما أخبر عنه الله ورسوله، وقد جاء ذكر الملائكة في مواضع عدة في القرآن والسنة، قال -تعالى-: (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) )وقال: (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) )وقال: (( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون* يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) )وغيرها كثير في القرآن..
وأما في السنة فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. وقوله: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر) رواه البخاري ومسلم.. وغيرها كثير جداً، لا يمكن في هذا المقام ذكر كثير منها فضلاً عن حصرها . ومما يجب في هذا الأمر: الإيمان بهم جملة وتفصيلاً، فأما جملة فهو الإيمان بأن لله تعالى ملائكة مخلوقين من نور، قائمين بطاعته ليلاً ونهاراً، لا يفترون عن حمده وشكره وتسبيحه، ولا يعصونه ما أمرهم سبحانه وتعالى. وأما تفصيلاً فنؤمن بمن ذكر لنا اسمه في القرآن والسنة: كجبريل، وميكال، وإسرافيل، ومالك، ورضوان، ولا يمكن بسط الأدلة هنا لذكر مواضع ورود هذه الأسماء وغيرها.
ومما يجب علينا في ملائكة الله: حبهم وتقديرهم والثناء عليهم كونهم إخواننا في الله تعالى، يجمعنا بهم الإيمان بالله، وحب الطاعة، وبغض المعاصي.. اللهم اجعلنا ممن يحبهم ويرضى عنهم.
ومن الإيمان بالغيب: الإيمان بالكتب المنزلة على الرسل -عليهم السلام-، جملة وتفصيلاً، فأما جملة فهو أن نؤمن بأن الله -تعالى- أنزل على رسله كتباً لهداية البشرية، وأما تفصيلاً فالإيمان بما ذكر في القرآن الكريم والسنة المطهرة: كصحف إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن الكريم، فهذه لا بد من التصديق بأنها من عند الله، وأنها حق، ثم جرى التأويل والتحريف للتوراة والإنجيل.. إلا أن القرآن الكريم له مزية خاصة حيث تكفل الله بحفظه من التحريف: (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) )والإيمان بكونه ناسخاً لما سبقه من الكتب. والإيمان بالقرآن يتضمن تصديق كونه من عند الله، واليقين في ذلك، كما جاء في أول السورة: (( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) )وأنه لا تصلح الحياة إلا به، وبتطبيق أحكامه، والعمل بما جاء فيه.. وغير ذلك مما يتضمنه هذا الكتاب العزيز الذي (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) ).