لا بد إذًا من التخلّق بهذين الخلقين مع رب العالمين لنرقى في معارج القرب والقبول، يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين:"ومن منازل (إياك نعبد وإياك نستعين) منزلة الخوف، وهي من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد"، ويقول أيضا:"القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر".
فهذه إذًا منزلة الخوف والرجاء وأهميتهما، أما أن نتصور عبادة أو علاقة بين خالق ومخلوق لا خوف فيها ولا رجاء فهذا أمر غير معقول ولا مقبول، لهذا أثنى الله على أفضل خلقه الأنبياء عليهم السلام بأنهم يعبدونه رجاء وخوفا، يقول سبحانه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] .
والخوف الذي يتحقق في قلب العبد المؤمن هو خوف من أكثر من ناحية، خوف أن لا يقبل الله عبادته، وخوف من عذابه وعقابه إلى غير ذلك، فقد وصف الله سبحانه عباده الصالحين أنهم يخافون من الله حق الخوف، يخافونه حتى وهم يؤدون عباداتهم خشية أن لا تقبل منهم، يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] ، روى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، قول الله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: (( لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ) ).
فانظروا ـ أيها المسلمون ـ كيف يخاف الصالحون الذين ذكرهم الله ورسوله، كيف يخافون مع أنهم يقومون بفعل الصالحات، وكيف نأمن نحن رغم أننا مقصرون وغافلون ومرتكبون للمعاصي والآثام، يقول الحسن رحمه الله عن هؤلاء القوم الخائفين وعن غيرهم من الآمنين الغافلين كما في أحكام القرآن للقرطبي، يقول:"عملوا ـ والله ـ بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا".
والخوف يكون أيضا من عذاب الله سبحانه، يقول تعالى: وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:27، 28] ، وهذا الخوف من الآخرة ومن عذاب الله يكون ضعيفا عند أغلب الناس؛ لأنه خوف من غيب لا نراه ولا نتصوره، ولا يُقوّي هذا الخوف إلا الإيمان المبني على العلم والإخلاص والأعمال الصالحة، لهذا اتصف بهذا الخوف خلّص عباد الله من الأنبياء والعلماء والصالحين الذين بلغوا من الإيمان درجة عالية، عن عائشة زوج النبي أنها قالت: ما رأيت رسول الله قط مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية! فقال: (( يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟! قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا ) )أخرجه أبو داود.
فالإنسان كلما زاد علما بالله زاد خشية له وخوفا منه، يقول سبحانه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، أي: أن العلماء أكثر الناس خشية لله، ويقول سبحانه: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9] .
أما الرجاء فهو بعكس الخوف؛ لأنه يكون ـ كما قلنا ـ بالطمع في الله وتأميل الخير منه، يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:218] ، فالعبد لا بد أن يكون راجيا لله، طامعا في فضله، يمد كف السؤال في طمع وذلة، هذه الأمور التي هي مذمومة حين يفعلها الإنسان مع المخلوقين تكون محمودة حين يفعلها مع الخالق عز وجل.
هذا الرجاء وهذا الطمع وحسن الظن بالله يحبه الله سبحانه ويدعو عباده إليه، يقول كما عند الطبراني من حديث واثلة: (( قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء ) )، فحسن الظن بالله من مقومات الرجاء.
والرجاء ـ كما يقول العلماء ـ ثلاثة أنواع: رجاء من يعمل بالطاعة وهذا رجاء الثواب، ورجاء من أذنب ثم تاب وهذا رجاء الرحمة، ورجاء المتمادي في الذنوب والمعاصي وهذا رجاؤه غرور وضلال؛ لأنه لم يقدم ما يرجو الله لأجله. يقول ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين عن الرجاء المحمود والرجاء المذموم، يقول:"فالعبد إذا بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات وطهر القلب من شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره لذلك رجاءً محمودًا باعثًا على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإيمان إلى الموت، وإن قطع بذر الإيمان عن تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونًا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة كان ذلك حمقًا وغرورًا". قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169] .
أما عن استعمال الإنسان للخوف والرجاء فمن العلماء من يرى أنه ينبغي أن يكونا متساويين حتى يصل الإنسان إلى بر الأمان، قال سهل بن عبد الله كما في أحكام القرآن:"الرجاء والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر". وقال أغلب أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء الخوف حتى يموت الإنسان وهو يحسن الظن بالله، يقول: (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) )أخرجه مسلم.
فغلبوا الخوف ـ رحمكم الله ـ في هذه الحياة، فمن خاف الله سبحانه حقا فإنه يشمر عن ساعد الجد ويسعى مسرعا في مرضاته؛ لأنه يعلم أن الأجل محدود، وأن اللقاء بالله كائن لا محالة، لهذا فهو يسرع في مرضاة الله وفي السير إلى ساحة الأمن وكأنه مطارد، وهذا ما بينه في الحديث الذي أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ) )، ويقول سبحانه: فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37- 41] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأجارني وإياكم من خزيه وعذابه الأليم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خيرته من خلقه محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.