بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيِّد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام والعزّة التي لا ترام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عزيز الانتقام، وأشهد أنّ نبينا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الكرام.
أما بعد: فاتقوا الله أيّها المسلمون، وارجوا ثوابَه، واخشَوا عقابه، واسمَعوا قول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:98] .
وروى البخاريّ ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إنّ أهونَ أهل النار عذابًا يومَ القيامة لرجلٌ يوضَع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشدّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا ) ) (20) [1] .
وروى مسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله قال: (( سأل موسى ربَّه فقال: ما أدنى أهلِ الجنة ـ يا ربّ ـ منزلة؟ قال: هو رجلٌ يجيء بعدما أدخِل أهل الجنة الجنّة، فيقال له: ادخُلِ الجنة، فيقول: أي ربِّ، كيف وقد نزلَ الناس منازلَهم وأخذوا أخذاتِهم؟! فيقال له: أترضَى أن يكون لك مثلُ مُلكِ مَلكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول: لك ذلك ومثلُه ومثله ومثلُه ومثله، فيقول في الخامسة: رضيتُ ربّ، فيقول: هذا لك وعشرةُ أمثاله، ولك ما اشتهت نفسُك ولذّت عينك، فيقول: رضيتُ ربّ ) ) (21) [2] .
وفي هذا العصر الذي غلبت القسوةُ والغفلة وحبّ الدنيا على القلوب وتجرّأ أكثر العباد على الآثام والذنوب يُقوَّى جناح الخوفِ لتستقيمَ النفوس وتزكوَ القلوب، وعند الانقطاع من الدنيا يُغلَّب الرجاء لقوله: (( لا يمُت أحدكم إلا وهو يحسن الظنَّ بربه ) ) (22) [3] .
فالخوفُ من الله يقتضي القيامَ بحقوق الله تعالى، ويبعِد المسلمَ عن التقصير فيها، ويحجز العبدَ عن ظلم العباد والعدوان عليهم، ويدفعه إلى أداءِ الحقوق لأصحابها وعدمِ تضييعها والتهاون بها، ويمنع المسلمَ من الانسياق وراءَ الشهوات والمحرّمات، ويجعله على حذرٍ من الدنيا وفتنتِها وعلى شوقٍ إلى الآخرة ونعيمها.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، اللهمّ وارضَ عن الصحابة أجمعين...
(1) مسند أحمد (3/198) ، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا في الصمت (9) ، والخرائطي في مكارم الأخلاق (442) ، والقضاعي في مسند الشهاب (887) ، قال الهيثمي في المجمع (1/53) :"في إسناده علي بن مسعدة، وثقه جماعة وضعفه آخرون"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2841) .
(2) صحيح مسلم: كتاب البر (2564) .
(3) رواه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (240) ، وانظر: جامع العلوم والحكم (ص75) .
(4) صحيح البخاري: كتاب التفسير (4621) ، صحيح مسلم: كتاب الفضائل (2359) .
(5) أخرجه البخاري في كتاب النكاح (5063) عن أنس رضي الله عنه.
(6) مدارج السالكين (1/513) .
(7) انظر: تفسير ابن كثير (4/278) .
(8) عزاه ابن كثير في تفسيره (4/392) لابن أبي حاتم وقال:"هذا حديث مرسل غريب".
(9) انظر: التخويف من النار (ص30) نحوه.
(10) 10] أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/76) ، والخطيب البغدادي في الموضح (2/330) .
(11) 11] حلية الأولياء (7/14، 60) ، شعب الإيمان (949، 950، 951، 952، 954، 955، 956) ، وانظر: التخويف من النار (ص28) .
(12) 12] التخويف من النار (ص19-20) .
(13) 13] انظر: مدارج السالكين (1/513) .
(14) 14] انظر: مدارج السالكين (1/513) .
(15) 15] انظر: إحياء علوم الدين (4/162) ، ومدارج السالكين (1/513) .
(16) 16] أخرجه البخاري في التوحيد (7405، 7505) ، ومسلم في الذكر (2675) .
(17) 17] صحيح مسلم: كتاب التوبة (2755) .
(18) 18] إحياء علوم الدين (4/166) .
(19) 19] مدارج السالكين (1/517) .
(20) صحيح البخاري: كتاب الرقاق (6561، 6562) ، صحيح مسلم: كتاب الإيمان (213) .
(21) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (189) .
(22) أخرجه مسلم في كتاب الجنة (2877) عن جابر رضي الله عنه بنحوه.
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
بلال بن رباح
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-منزلة الخوف والرجاء وأهميتهما في حياة المسلم. 2- أنواع الخوف المحمود. 3- أنواع الرجاء. 4- ثمرات الخوف من الله. 5- ثمرات الرجاء.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله سبحانه في كتابه العزيز: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57] ، ويقول سبحانه: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] .
إخوة الإيمان، العبد في هذه الحياة الدنيا في عبادته لله سبحانه وهجرته إلى الله ورسوله لا ينفك عن حالتين ينبغي أن يعيشهما مع ربه عز وجل هما حالتي الرجاء والخوف، فهذان المقامان إلى جانب مقام الحب الذي تكلمنا عنه في الخطبة السابقة لا بد منهما ولا بد أن يتصف بهما العبد الضعيف مع مولاه القوي الغني، فإنه لا بد أن يرجوه وفي ذات الوقت لا بد أن يخافه، يرجوه فيرغبه فيسعى إلى مرضاته، ويخافه فيرهبه فيبتعد عن مساخطه، أما خلو الإنسان من حالتي الرجاء والخوف أمام مولاه عز وجل فإن فيه سوءَ أدب مع الله أو قصورا في فهم التعبد، فالله سبحانه ما حشد في كتابه صفات الرحمة ووجوه الجزاء الحسن إلا ليرجوه العبد ويرجو هذا الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، وما حشد سبحانه صفات العظمة والقوة والانتقام ووجوه الجزاء والحساب الشديد إلا ليخافه المسلم ويخاف هذا الجزاء، ولم يسرد سبحانه كل ذلك عبثا.
والخوف والرجاء ـ عباد الله ـ معنيان لا يخفيان على أحد منا، فالخوف من الرهبة، خاف يخاف خوفا أي: رهب أو فزع، والرجاء من الرغبة، ورجا بمعنى أمّل، فالخوف مبعثه الفزع، والرجاء مبعثه الطمع، ومطلق الخوف لا يكون إلا من الله سبحانه، ومطلق الرجاء لا يكون إلا في الله سبحانه؛ لأن الخوف والرجاء عبادتان، فقد يخاف الإنسان مخلوقا أو يرجوه، ولكن لا ينبغي أن يصرف له كل الخوف أو كل الرجاء، بل يخاف المخلوقين ويرجوهم خوفا ورجاء يناسبهم كعبيد ضعفاء، ويخاف الله ويرجوه خوفا ورجاء يناسب عظمته وقدرته وقوته سبحانه.