فمن أسباب حصول الثبات على الحق والهدى والدين والتقى الشعور بالفقر إلى تثبيت الله تعالى، وذلك أنه ليس بنا غنى عن تثبيته طرفة عين، فإن لم يثبتنا الله زالت سماء إيماننا وأرضُه عن مكانها، وقد قال سبحانه مخاطبًا خير خلقه وأكرمهم عليه: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً [الإسراء:74] ، وقال تعالى: إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:12] ، وكان نبينا يكثر من قوله: (( لا، ومصرف القلوب ) )كما روى ابن ماجه بسند جيد (5) [5] ، مما يؤكد أهمية استشعار هذا الأمر واستحضاره.
ومن أسباب الثبات على الخير والصلاح الإيمان بالله تعالى، قال عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة [إبراهيم:27] . والإيمان الذي وعد أهله وأصحابه بالتثبيت هو الذي يرسخ في القلب، وينطق به اللسان، وتصدقه الجوارح والأركان، فليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
فالالتزام الصادق في الظاهر والباطن والمنشط والمكره هو أعظم أسباب التثبيت على الصالحات، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66] . فالمثابر على الطاعة والمداوم عليها المبتغي وجه الله بها موعود عليها بالخير والتثبيت من الله مقلب القلوب ومصرفها.
ومن أسباب الثبات على الطاعة والخير ترك المعاصي والذنوب، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، فإن الذنوب من أسباب زيغ القلوب، فقد قال فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) ) (6) [6] .
وأما الصغائر فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إياكم ومحَقّرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خُبزتهم، وإن محقّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ) ) (7) [7] .
خلِّ الذنوب صغيرها…وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر…ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة…إن الجبال من الحصى
ومن أسباب الثبات على الإسلام والإيمان الإقبال على كتاب الله تلاوة وتعلمًا وعملاً وتدبرًا، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر بأنه أنزل هذا الكتاب المجيد تثبيتًا للمؤمنين وهداية لهم وبشرى، قال الله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:102] ، فكتاب الله هو الحبل المتين والصراط المستقيم والضياء المبين لمن تمسك به وعمل.
ومن أسباب الثبات على الصالحات عدم الأمن من مكر الله، فإن الله سبحانه وتعالى قد حذر عباده مكره، فقال عز وجل: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99] .
وقد قطع خوف مكر الله تعالى ظهور المتقين المحسنين، وغفل عنه الظالمون المسيئون، كأنهم أخذوا من الله الجليل توقيعًا بالأمان، وقال الله تعالى: أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ [القلم:39-40] .
يا آمنًا معَ قبحِ الفعل منه أَهَل…أتاك توقيعُ أمْنٍ أنت تملكه
جمعت شيئين أمنًا واتباع هوى…هذا وإحداهما في المرء تهلكه
أما المحسنون من السلف والخلف فعلى جلالة أقدارهم وعمق إيمانهم ورسوخ علمهم وحسن أعمالهم فقد سلكوا درب المخاوف، يخافون سلب الإيمان وانسلاخ القلب من تحكيم الوحي والقرآن، حتى صاح حاديهم يقول:
والله ما أخشى الذنوب فإنها…لعلى سبيل العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من…تحكيم هذا الوحي والقرآن
فالحذر الحذر من الأمن والركون إلى النفس، فإنه م ادام نَفَسُك يتردد فإنك على خطر.
قال ابن القيم رحمه الله:"إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرء وقلبه، وأنه تعالى كل يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرفع من يشاء، ويخفض من يشاء، فما يؤمّنه أن يقلب الله قلبه، ويحول بينه وبينه، ويزيغه بعد إقامته، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقوله: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران:8] ، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم".
ومن أسباب الثبات على الهدى والحق سؤال الله التثبيت، فإن الله هو الذي يثبتك ويهديك، قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] .
فألحوا على الله تعالى بالسؤال أن يربط على قلوبكم ويثبتكم على دينكم، فالقلوب ضعيفة، والشبهات خطافة، والشيطان قاعد لك بالمرصاد، ولك فيمن تقدمك من المؤمنين أسوة حسنة، فإن من دعائهم: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] ، وما ذكره الله تعالى عنهم: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:250] ، وقد كان أكثر دعاء النبي: (( يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) ) (8) [8] .
الخطبة الثانية
الحمد لله مقلب القلوب والأبصار، ومثبت عباده المتقين الأبرار في الدنيا والآخرة دار القرار، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المختار، وعلى آله وأصحابه الأطهار.
أما بعد: فمن أسباب الثبات على الإيمان نصر دين الله الواحد الديان، ونصر أوليائه المتقين وحزبه المفلحين، قال الله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] . ونصر دين الله تعالى وأوليائه يكون بطرائق عديدة لا يحدها حد، ولا تقف عند رسم. فالدعوة إلى الله بجميع صورها نصر لدين الله، وطلب العلم نصر لدين الله، والعمل بالعلم نصر لدين الله، وجهاد الكفار والمنافقين والعصاة نصر لدين الله، والرد على خصوم الإسلام وكشف مخططاتهم نصر لدين الله، والبذل في سبيل الله والإنفاق في وجوه البر نصر لدين الله، والذب عن أهل العلم والدعوة وأهل الخير والصحوة نصر لدين الله. فطرائق نصر دين الله وأوليائه كثيرة، جعلنا الله وإياكم من أوليائه وأنصار دينه، ولا تحقرن من هذه الأعمال شيئًا، فقاعدة الطريق: اتق النار ولو بشق تمرة. قال ابن القيم رحمه الله:
هذا ونصر الدين فرض لازم… لا للكفاية بل على الأعيان
بيد وإما باللسان فإن عجز… ت فبالتوجه والدعاء بجنان
ومن أسباب الثبات على الهدى الرجوعُ إلى أهل الحق والتقى من العلماء والدعاة الذين هم أوتاد الأرض ومفاتيح الخير ومغاليق الشر، فافزع إليهم عند توالي الشبهات وتعاقب الشهوات، قبل أن تنشب أظفارها في قلبك، فتوردك المهالك. قال ابن القيم رحمه الله حاكيًا عن نفسه وأصحابه:"وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه ـ أي: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة".