لكن المؤمن بالله واليوم الآخر الأمر عنده سيان، يراقبُ الله لأنَّهُ يعلم أنَّهُ وإن كذب على الخلق فإنَّ الله مُطلعٌ عليه، يعلم أنَّه وإن عملَ هذا الذنب بدون أن يُشاهدهُ أحد فإنَّ الله تبارك وتعالى يراه، يوقنُ أنَّ الله تبارك وتعالى يعلمُ خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور.
إنَّ نظامَ الحياة للفردِ وللأسرةِ وللمجتمع لا يمكنُ أن يستقيم بقوةِ سلطان أو جبروته، أو نظام أو قانون أو غير ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ يتمردُ عليه كما هو حادثٌ بين الأممِ.
لا يكونُ الالتزام لأمرِ الله تبارك وتعالى وشرعه إلا حين يوقنُ الإنسان أنَّ الله مطلعٌ عليه، وأنَّ الله محاسبهُ يوم القيامة، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [سورة الزلزلة] .
الأثر الرابع: تسلية المظلومين والمستضعفين
إنَّ الإيمان باليوم الآخر فيه عزاءٌ عظيمٌ للمظلومين.
فلو أنَّ الدنيا فقط هي نهايةُ المطاف فلرُبما يموتُ الإنسان المظلوم كمدًا، لكنه إذا أيقن الإنسانُ وآمن بأنَّ الجميع واقفون بين يدي ربهم تبارك وتعالى، وكَّل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى.
فلو أنَّ فلانًا ظلمك في مالٍ أو في عرض أو في غير ذلك، وكذبَ عند القاضي، أو تستَّرَ على جريمته، وأنت أيُّها المظلوم تؤمنُ بالله واليوم الآخر، وأنَّ هذا لن يفوت على الله، ولابد من الوقوف بين يديه سبحانه وتعالى لقول الله عز وجل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [سورة الأنبياء:47] ، وكما قال سبحانه: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [سورة غافر:17] .
إنَّ الإنسان الذي ظُلم إذا استطاع أن ينتصر من ظالمه في الدنيا بعون الله تبارك وتعالى فله ذلك، {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} [سورة الشورى:41] .
لكنه إن لم يستطع فلا يموتُ كمدًا ولا حزنًا، وإنما تنفتحُ له أفقٌ جديدة في هذه الحياة بعد أن ينسى مصيبته؛ لأنَّهُ يعلم أنَّه لن تضيعَ عند علَّامِ الغيوب.
إنَّ منهجَ العقيدة الإسلامية في اليوم الآخر تجعلُ الإنسان إيجابيًا في هذه الحياة، وهو في أشد حالات الغضب.
أما إذا كان على غير هذا المنهاج من الإيمان بالله واليوم الآخر فلا يعيشُ بقيةَ حياته إلا وهو يفكر كيف ينتصرَ ممن ظلمه وهو لا يستطيع، وبعضهم يبلغُ الثلاثين والأربعين سنة يتربصُ بعدوه لينتقم منه، بطريقٍ صحيح أو غير صحيح.
لكن المنهاج الإسلامي يُربي في المؤمن أنَّ الوقوف بين يديه سُبحانه وتعالى للحساب وللجزاء في كتابٍ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها، إنَّ هذا الوقوف لابدَّ منه، وسيحصلُ على حقهِ كاملًا، ومن ثمَّ ينتقلُ إلى عملٍ إيجابي، إلى عملٍ خيري.
إنَّ الحياةَ ومشاكلها وصراعاتها وغيرها لا يمكن أن تضفي على حياة الإنسان طمأنينةً نفسيةً عاملةً منتجةً في هذه الحياة، إلاَّ إذا أيقن الإنسان باليوم الآخر.
الأثر الخامس: رفع الهمة
والتحفيز على العمل الصالح
إنَّ الإيمان باليوم الآخر يدفعُ الإنسان دائمًا إلى عمل الخيرات.
وذلك لأن الإنسان المؤمن باليوم الآخر يعيشُ في هذه الحياة وعنده قضيتان يقينيتان:
إحداهما: أنَّ أي عملٍ من خيرٍ فهو محسوب.
والثانية: أنَّ نتيجةَ هذا الحساب هو الجزاءُ من الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
لذلك فإنك تجده يسيرُ في هذه الحياة ويعيشُ فيها خيِّرًا فاضلًا عاملًا منتجًا، يبدأ بنفسه، فيعلم أنَّهُ إذا قال: «لا إله إلا الله، الحمد لله، سبحان الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم» أو غيرها من الأذكار، أنَّها أعمال خيرات في ميزانهِ يوم القيامة.
يعلمُ أنَّهُ إذا قرأ حرفًا من كتاب الله كان له به عشر حسنات، فكيف إذا قرأ آيةً أو آياتٍ من كتاب الله؟! كان له بها آلاف الحسنات.
يعلم أنَّه إذا ابتسم في وجهِ أخيه فهي صدقة يجدها عند الله، يعلمُ أنَّ الكلمةَ الطيبة صدقةً يجدُها عند الله، يعلم أنَّهُ إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو أنفق درهمًا فهو عند الله يُرْبِيهِ حتى يكون يوم القيامة مثل جبل أحد.
انتبه كيف يتحول الإنسان إلى إنسانٍ يعملُ الخير في كل لحظةٍ وفي كل دقيقة، {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [سورة البقرة:86] .
ولم يجعل اللهُ تبارك وتعالى عمل الخيرات حصرًا على العلماء، أو حصرًا على الأغنياء، وإنَّما هي متاحة للكبير وللصغير، وللرجل وللمرأة، في ليلٍ أو نهار، ثم يجدونها بعد ذلك عند الله {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ} [سورة المزمل:20] .
لهذا تجدُ المؤمن دائمًا يسعى ليعمِّرَ أخرته، يعيشُ في هذه الحياة في كل يومٍ وهو يعملُ الخيرات والأعمال الصالحة المتنوعة ليجد أجرَ ذلك عند الله -تبارك وتعالى- في خاصةِ نفسه، في صلاته، في عباداته، في ذكرهِ لله، في تربيتهِ لأسرتهِ، في تعاملهِ مع جيرانه، في بيعهِ وشراءه، في عملهِ ووظيفته، في ذهابهِ وسفره، في كلِّ حالٍ من أحوالهِ يتحوَّلُ ويحوِّل المؤمن هذه الحال إلى حالٍ فيها أجرٌ وثواب يجدهُ عند الله تبارك وتعالى.
ولذلك فإنك تجدُ أنَّ الإيمانَ باليوم الآخر إذا كان بين عيني الإنسان في كلِّ وقتٍ وفي كل آن يدفعهُ في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ إلى عملٍ صالح.
الأثر السادس: الاستعداد للوقوف بين يدي الله
وهو أهمها وأعظمها، أنَّ الإيمانَ باليومِ الآخر يُوَّلِدُ عند المؤمن الخوفَ من ذلك المقام بين يديه تعالى، فيبتعدُ عن كلِّ ما يُغضبُ الله تبارك وتعالى.
فإذا جاءهُ الشيطان، أو نفسُهُ الأمارة بالسوء يأمرانه بمعصيةٍ في نفسهِ أو في مالٍ أو في غير ذلك، يتذكرُ أنَّهُ سيقفُ بين يدي ربه سُبحانه وتعالى ليحاسبه على السيئة.
والوقوف لابد منه، والحساب لابد منه، ولن ينفعَ أحدٌ أحدًا في ذلك الموقف حتى الأم لن ينفعها ولدها، «وردَ أنَّها في يوم القيامة تحتاجُ إلى ولدها في حسنةٍ واحدةٍ لترفع بها ميزانها، لتنجو من عذابِ الله، من يُعطيها هذه الحسنة؟ تُفتشُ، فتجد الناس كلهم قد شُغلوا» فتتذكر هذه الأم وليدها الذي حنَّت إليه، وحنت عليه، وعاشت معه سنين إلى أن فارقت الحياة وهو قطعة من كبدها، فتبحثُ عنه فتمسكُ به، وتقولُ له: «يا ولدي ألست أمك؟
فيقول: بلى..
يا ولدي ألم يكن بطني لك وعاء؟ ثم لما خرجت كان حجري لك غطاء؟ وثديي لك سقاء؟ ألم أكن أعيشُ في هذه الحياة من أجلك يا ولدي؟ أبيتُ مستيقظةً إلى الصباح؛ لأنك تأنُ من المرض؟ أفرحُ لفرحك، وأحزن لحزنك، حتى وأنت كبير السن.
وماذا تريدين يا أمي؟
فتقول له: يا ولدي ما أريد منك إلاَّ حسنة واحدة.
فيفرُ منها ولدها ويقول لها: يا أماه!! أنا أحوجُ منك إلى هذه الحسنة» (5) .
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِه وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [سورة عبس:37] .
وقفةً للحساب وللجزاءِ، فيها يغضبُ الجبار غضبًا لم يغضب قبلهُ مثله، ولن يغضبَ بعدهُ مثله، فيها تزفرُ نار جهنم زفرةً لا يبقى ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، إلاَّ جثا على ركبتيهِ يقول: يا رب نفسي نفسي، لا أسألك اليومَ إلاَّ نفسي، حتى عيسى لا يقولُ: يا رب لا أسألكَ اليوم أمي مريم، إنما يقول:نفسي نفسي.