فهرس الكتاب

الصفحة 2281 من 9994

مما ذكره أهل التفسير: أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إذا صدقه الكلم الطيب ، إن كان من نوع الوعد والجزم بالفعل ، ثم لم يتبعه الفعل لا يكون ارتفاع له ، بل ربما يكون القول حجة لك لا عليك ، كما قال ابن العربي رحمه الله في هذا المعنى:"الكلم الطب بمعنى الذكر ، والقول الحسن يؤجر عليه صاحبه ؛ فإن عمل سيئا أثم من جهة ، وكان الوزن للصلاح والعمل ، أما القول الذي يرتبط بالعمل ؛ فإنه إن صدقه العمل ورفع وزكي عند الله - عز وجل - وإن كان غير ذلك كان وبالاً على صاحبه".

فكم من قول وكم من راية نرفعها ؟ وكم من شعار نعليه أين حقيقته في واقع أمتنا وفي مجتمعاتنا ودولنا ؟ وأين حقيقته في أفرادنا في أنفسنا ؟ ألسنا نقول: إننا أهل إيمان وإسلام ؟ ألسنا نقول: إننا أهل ولاء وبراء ؟ ألسنا نقول إننا أهل دعوة ورسالة؟ ألسنا نقول: إننا أهل غاية في هذه الحياة الدنيا لإعلاء كلمة الله .. فأين تصديق ذلك ونحن نجعل أنفسنا مطية يرتحلها كل ظالم وباغ ليصل إلى مراده بكثير من غفلتنا وكثير من سذاجتنا ؟ أليسوا ينتجون ونستقبل ،ويبثون ونشاهد ، ويروجون ونتقبل ، ويصنعون ونشتري ، دون أن يكون عندنا شيء من وعي أو انتباه لما يحيق بنا من مكر ، وما يقرر لنا من كيد في كل هذه الأمور التي نتعامل معها ؟

ليس المر قطيعة ومقاطعة ليس لها فقه ولا وعي ؛ وإنما هو إدراك ينبغي أن نعيه ، وأن ندركه ، وأن نتبع أقوالنا بأعمالنا ، وأن نعمم وعينا في سائر دوائر أمتنا وأوساطنا ، في كل المجالات التي ينبغي أن نوصل فيها مثل هذه المعاني القرآنية إلى كل مسلم ينبغي أن ينتبه لها وأن يعيها: { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: من الآية124] .

آيات قاطعة في معانيها - والسين للاستقبال - سيكون ذلك حتماً لازماً ، وقدراً واقعاً أن المجرمين الماكرين الكائدين سيصيبهم هذا الذل والصغار عند الله سبحانه وتعالى ، قال ابن كثير في تفسيره - في بيان ذكر العذاب الشديد مقترنا بالمكر ، والمكر خفي غير ظاهر ، والعذاب الشديد معلنا على رؤوس الأشهاد - قال:"لما كان المكر غالباً إنما يكون خفياً وهو التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من اللّه يوم القيامة جزاء وفاقاً {ولا يظلم ربك أحداً} ، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر".

ولذلك استشهد هنا ابن كثير بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ( ينصب لكل لواء غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) ، والغدر كيد مخفي ، ولذلك جاءت عقوبته معلنة يوم تبلى السرائر أي: تكشف وتعلن ، ومن رحمته وحكمته سبحانه وتعالى أنه يعجّل من ذلك ما يثبت به أهل الإيمان ويبصرهم به ، ويزيدهم يقينا ، بما في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. وكل ما جاء في القرآن من شأن المكر والكيد الكافر الظالم الباغي الموجه لأهل الخير والحق والعدل ، كله مآله إلى الذوبان وإلى الدمار والهلاك حتى كيد الشيطان { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً } [النساء: من الآية76 ] .

متى يكون ضعيفا ؟ يوم يكون في القلب إيمان ، يوم يكون في العقل إدراك ، يوم يكون في السلوك إسلام ، يوم يكون في الصفوف وحدة ، يوم لا نسمح أن تتسلل شياطين الإنس والجن من بين أظهرنا ، وتكون من وراء ظهورنا في صفوفنا ، يوم نمنع تلك الوساوس التي تخالط العقول ، وتخامر القلوب ، وتشكك في حقائق إيمانية مهمة في شأن حقائق الأعداء ، وحقائق الأولياء ، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من ثبات في إيمانه ، ويقين في معتقده .. والأمر في هذا واضح تحكيه لنا الآيات وترويه لنا مواقف السنة.

{ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا } [ آل عمران: من الآية120] .

سبحان الله ما أوجز هذه الآيات ! وما أعمق وأوسع معانيها ! أليست تصور واقعنا اليوم {إن تمسسكم حسنة تسؤهم} ؟ أليس غيظ قلوبهم في ثروات المسلمين ؟ أليس سوؤهم في استقامة أبناء المسلمين ؟ أليس غيظهم في تكاثر المسلمين في المساجد ، وفي المصاحف التي تقرأ آناء الليل والنهار ؟ أي شيء يضيرهم في ذلك ؟ أي إرهاب في هذا ؟ أي عنف أو ظلم كما يدعون ؟

{ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا } [ آل عمران: من الآية120] .

ما أفرحهم بما يروج على أبنائنا ويتقبلونه من كيدهم ومكرهم ! ما أسعدهم بمن يوافقهم رأيهم ! ما أسعدهم وأفرحهم بمن يسير في ركابهم ويعينهم على أبناء الإسلام من إخوانهم وبني جلدتهم والناطقين بألسنتهم !

{ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا } [ آل عمران: من الآية120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت