صبرٌ زاده تقوى الله .. صبر منبعه ومنبع قوته الاستمداد من الله عز وجل ، ماذا يصنع أهل الأرض ؟ ماذا يصنع أهل البغي ؟ ماذا يستطيع أهل الباطل ؟ ماذا تستطيع قوى الأرض كلها {لا يضركم كيدهم شيئا} .
وكما قال تعالى في موضع آخر: { وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ } [ الأنفال: من الآية18] .
لكنه لا يكون ذلك إلا بتحقيقكم - معاشر المؤمنين - لإيمانكم وإسلامكم ، فاعلموا أن التقصير إنما هو منا ، وأن البلاء إنما هو بذنوبنا ، وأن تسلّط أعدائنا إنما هو بحبال ، وليس بحبل واحد منا ، فلنرجع إلى كتاب ربنا ، ولنتدبر ما كان من أحداث سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ لندرك هذه الحقائق ، ولنعلم يقينا ما جاء في كتاب ربنا.. { وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ } [غافر: من الآية25] .
{ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } [ الطارق:15،16،17 ] .
ذلك وعد الله الذي لا نشك فيه.
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه .
وإن من أعظم تقوى الله أن نواجه أعداء الله عز وجل باعتصامنا بكتاب ربنا ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وائتلاف قلوبنا على الحق والهدى ، واجتماع صفوفنا في نصرة الإسلام وأهله بكل ما يستطاع بإذن الله عز وجل.
{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه } [ الأنفال: من الآية30 ] .
فمكر الله وكيده مما ثبت من صفاته سبحانه وتعالى إلا أنها صفات كمال له - جل وعلا - لا تلتبس بما يكون من أبالسة الجن والإنس الماكرين الكائدين ، فهو - أي المكر - من الخلْق الحِيلة السيئة ، ومن الله سبحانه وتعالى التدبير بالحق مجازاة على أعمال الخلق ، وكما قال ابن القيم رحمه الله:"مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن ، فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه سبحانه وتعالى أحسن شيء ؛ لأنه مجازاة على مكرهم".
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال:30] .
نعرف تلك الصفحة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم اجتمع كفار قريش يأتمرون به ويتآمرون عليه ، ويدبرون كيدهم ، ويحكمون مكرهم ، ويتشاورون فيما بينهم ، ويتزعمهم طاغيتهم أبو جهل .. ضربوا الآراء أخماسا بأسداس ، وانتهوا إلى رأي أملاه عليهم إبليس ، فائتمروا وصنعوا وفعلوا كل شيء .. فهل كان صلى الله عليه وسلم غافلا ؟ وهل كان عن مثل هذا غائبا ؟ لقد أخذ للأمر عدته وأسبابه التي بيده ، وجاءت قدرة الله عز وجل ورعايته وعنايته ، التي جسدها عندما كان في الغار مع أبي بكر بعد هذا الحدث فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام بلسان اليقين: ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) .
خرج من بين أظهرهم وحفا بالتراب فوق رؤوسهم .. أذلهم إذلالاً مادياً واضحاً ملموساً ليبدي لهم أن ما يمكرونه وما يكيدونه ، ثم ما هو أعظم منه وأجلّ وهو مكر الله وكيده المبطل لكل كيد يحاق بأهل الإيمان والإخلاص عاجلا أو آجلا - بل في الدنيا قبل الآخرة - كما هي وعود الله عز وجل .
وكما نرى في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه كان دائما يتتبع أحوال أعدائه ويترصدهم ، ويعرف ما يدبروه ، ويتتبع ما يمكرون .. وكم هي الغزوات التي كانت أسبابها علمه عليه الصلاة والسلام بما جمع من الأخبار أنهم يعدون له ، أو أنهم يتهيئون لحربه ، فيبدأهم قبل أن يبدؤوه ، ويفاجئهم قبل أن يفاجئوه .. وذلك دليل اليقظة التامة ، والحذر الشديد ، والمعرفة اليقينية .
ولسنا - معاشر المسلمين - أهل قتل وأهل بغي وعدوان أبداً ، ولكننا أهل حق ورسالة وعدالة وإنسانية ، فإذا جاء البغاة والطغاة والظلمة ليفسدوا البشرية كلها ، وليعمموا هذا الظلم والجور على الخلق ويسيطروا عليهم ، ويقبضوا على رقابهم ، ويحنوا ظهورهم ، ويتصرفوا في شؤونهم ، وينهبوا ثرواتهم .. أفليس من العدل والحق والإنصاف أن يرد ذلك عليهم ، وأن يمنعوا من هذا الفساد والإفساد ؟
وانظر إلى هذا المكر الذي يكيدونه إنهم اليوم يذهبون بنا شرقا ، ويسلطون الضوء على قضية يصمون بها آذاننا صباح مساء ؛ لتنصرف الأنظار عن أرض فلسطين .. عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. عن ما يحلّ هناك في المسجد الأقصى ؛ لتنصرف الأفكار عن ما يجري في كشمير ؛ لينصرف الأمر كله عن ما يدبر في مناهج المسلمين هنا وهناك ؛ ولينصرف - أيضا - الأمر عن كيدهم وظلمهم في بلاد المسلمين ، وما دمروا فيها وأفسدوا ، وما تحكموا في مقاليد أمورها ..