أيها المسلم، إن الطلاق في الإسلام لم يأت الحل الأول, وإنما جاء عندما تتعذر الحلول كلها, وتبذل الأسباب فلا تغني شيئاً, فعند ذلك شرع الله الطلاق، أي: أذن للزوج فيه.
والطلاق يهدم البيت, ويشتت الأسرة ويفرقها, فتبقى المرأة أيماً والأولاد من بنين وبنات ربما ضاعوا بين قسوة أب وعدم قدرة أم, وتلك البلية العظمى.
أيها المسلم, عندما أذن الله في الطلاق إنما أذن وشرع للحاجة الملحة إلى ذلك, لم يشرعه محبة له, ولكن لأن فيه مصلحة فشرع ذلك الطلاق, وهذا الطلاق من أبغض الحلال إلى الله كما قال: (( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) ) (1) [1] .
وتوعد المرأة المسلمة حينما تطلب الطلاق من زوجها بلا سبب يقتضيه, فيروى أنه قال: (( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ) ) (2) [2] .
ثم هذا الطلاق أيها المسلم لم يأت فوضوي, ولم يجعل أمره لشهوة الرجل أو المرأة, بل جاء بنظام دقيق مؤثر نافع, فهو دواء, والدواء إنما يستعمل بقدره فقط، ألا ترى الطبيب لو وصف لك أنواعاً من العلاج مأكولاً أو مشروباً، هل تتناولها جرعة واحدة، وتقول: يكفي؟! لا، لا بد له من أوقات مناسبة، إذن فالطلاق دواء إنما يستعمل في الحاجة إليه.
ولقد كانوا في الجاهلية قبل الإسلام يطلقون طلاقاً فوضوياً، فيطلق الرجل المرأة في أي وقت شاء، فإذا قاربت العدة راجعها، وربما جمع لها مئات من الطلقات، فجاء الإسلام وحد من هذه الجاهلية, جعل للطلاق عدداً، وجعل له زمناً, كل ذلك للتأمل والتفكر والتذكر فعسى الأمر يعود إلى مجاريه.
فأولاً: الشارع جعل للطلاق وقتاً فلم يأذن للمسلم أن يطلق متى شاء، لكي يمنع أهل الحماقة من حماقاتهم والذين لا يتفكرون في الأمور أن يوقفهم عند حدهم.
فالطلاق في الشريعة إنما هو في وقت مخصص، وهو أن يطلقها في طهر عقب الحيض، أي في طهرٍ ما جامعها فيه، فإن طلقها في طهر وطئها فيه صار بذلك عاصياً لله؛ لأنه يحتمل أنها حامل، فتطول المدة عليها، وهو أيضاً قد لا يرغبها، لطول المدة عليها، فيكون في ذلك ضرر عليه وعليها، فحرم عليه أن يطلقها في طهر وطئها فيه.
وحرم عليه أن يطلقها وهي حائض؛ لأن الحيض يمنعه من الاستمتاع، فربما انصرفت نفسه عنها، وفيه أيضاً تطويل المدة عليها.
وحرم عليه أن يجمع ألفاظ الطلاق بلفظ واحد، بأن يقول لها هي طالق بالثلاث, سمع النبي رجلاً يقول لامرأته: أنت طالق بالثلاث, فغضب وقال: (( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) )حتى قام رجل فقال: أأقتله يا رسول الله؟ (3) [3] دل على أنه ارتكب إثماً عظيماً.
ثم إن النبي منع المسلم من أن يتساهل ويتلاعب بالطلاق, وجعل الطلاق نافذاً سواء أكان هازلاً في أدائه, أو كان جاداً في أدائه.
فيقول: (( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ) ) (4) [4] .
فلا يحل لك أن تطلق من باب المزاح واللعب، فإن هذا حكم شرعي، والله يقول: وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [البقرة:231] .
ثم شرع له إذا طلقها الطلقة الواحدة أن يتركها حتى تنقضي عدتها, ولا يجمع لها في الطهر بين طلقتين، فإنه لا ينفعه ذلك، بل إذا طلقها وليس له فيها رغبة فبانقضاء عدتها تكون أجنبية عنه، لا تعود إليه إلا بعقد جديد برضاها؛ لأنها طلقة واحدة انقضت عدتها, كل هذا حتى لا يستغرق المسلم ألفاظ الطلاق, ولا يقع في المشاكل, فإنه إن طلقها الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره, نكاح رغبة لا نكاح تحليل, كل هذه أمور محافظة على البيت أن ينهدم على أيدي سفيه.
أيها المسلم، إن عدو الله إبليس يفرح بك في حال غضبك وحماقتك فيجعل الطلاق نصب عينيه ويلقيه على مسامعك, فإن اتقيت الله وتبصرت بالأمور لم تطع عدو الله في مراده, جاء في الحديث: (( أن الشيطان ينصب عرشه على الماء, ويبث جنوده فيأتيه الواحد ويقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أبيه أو بينه وبين أمه وأخيه, يقول: ما فعلت, يوشك أن يصالحه. ويأتيه آت ويقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين امرأته, قال: فيدنيه ويضمه إليه ويقول: أنت وأنت وأنت ) ) (5) [5] . فعدو الله يفرح بالتفريق بين الزوجين يفرح بتشتيت الأسرة وتفرقها.
أيها المسلم، كن حريصاً على استمرار الحياة الزوجية.
أيها الرجل، أنت أقوى وأشد ثباتاًً فإياك وإياك أن تعصف بك الريح فتطلق بلا سبب يقتضيه, إياك والضجر وقلة الصبر ونفاذ الحلم، تأمل في كلامك قبل أن تقوله, وتدبر عواقب الأمور, وإذا غلب الغضب عليك فاقعد من قيام, واضطجع من قعود, وتوضأ وتعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، واخرج عن المنزل فعسى الغضب أن يزول وتنقشع سحائبه.
أيها الرجل، أيها الرجل العاقل المسلم، أيها الرجل المسلم العاقل، ليس لائقاً بك أن يكون الطلاق دائماً بك على لسانك, لا تجعله حل المشاكل, فالمشاكل يمكن حلها بكل سبب, لا تجعل خصومتك مع الناس وغلطك مع الآخرين أن تكب غضبك على امرأتك, عندما ينجم منها تقصير في واجب أو عدم قيام بواجب فما أمكن أن تتلافاه فتلافاه, وما أمكن أن تتجاوزه فتجاوزه, ما دام الدين سليماً والعرض نزيهاً والشرف محافظ عليه, فبقية الأمور يمكن الصبر عليها, ويمكن تداركها, ويمكن إصلاحها, أما العجلة في أمر الطلاق على أتفه الأسباب وأحقر الأسباب فهذا غير لائق بالرجل العاقل ذي العقل الرزين والرأي السليم.
أيها المسلم، لا بد من صبر ولا بد من تحمل ولا بد من تصور للمعاني بعد الطلاق, أما إذا كان الإنسان لا يبالي, ضعف في الإيمان, قلة في الصبر، نفاذ في الحلم, فإن يهدم بيته في لحظة من اللحظات.
أيها المسلم، إن الطلاق شرع لتخليص الرجل من عدم ملائمة المرأة أو تخليص المرأة من عدم ملائمة الرجل, لكن ما أمكن تداركه والصبر عليه فالمطلوب من الزوجين السعي في لم الشعث وتدارك الأخطاء.
ثم أهل الرجل وأهل المرأة عليهم أيضاً واجب أن يبذلاه حتى لا تقع المشاكل, فينصح أهل المرأة المرأة, ويوصوها بالصبر وعدم الضجر, وينصح أهل الرجل الرجل فيوصونه بالصبر والثبات, فإذا تعاون الجميع على الخير أمكن استمرار الحياة الزوجية على أطيب الأحوال.
أيها المسلم، بعض الرجال يمارس ضغوطاً على المرأة حتى يحصل الطلاق لينتقم منها, فيتخذ من الضغوط, الأولاد أولاً, ربما لا يمكنهم من رؤية أمهم, وربما يتركهم فلا يراعاهم ولا ينفق عليهم فيضيعوا, إما أن يأخذهم عنده فيعاملون غير معاملة الرفق واللين, وإما أن يتركهم عند أمهم فلا يرعاهم ولا ينفق عليهم, وقد تتأثم الأم على زوجها فتنتقم منه فتمنع أولاده من الذهاب إلى أبيهم، كل هذه الأغلاط والأخطاء ينبغي تلافيها وتداركها، وأن لا نتخذ من الطلاق وسيلة انتقام وضغط للآخرين, وإلحاق الضرر بالآخرين.
فلنتفق الله في أنفسنا, ربنا جل وعلا أمر الزوج إذا طلق أن يترك المرأة في المنزل مدة العدة لعل الله أن يحدث بعد ذلك أمراً، لعله أن يندم ولعلها أن تندم، جعل الطلاق مراحل: أولى ثم ثانية ثم ثالثة.
أولى فإن يكن من المرأة الخطأ ندمت أو من الرجل، ثم الثانية, فإذا طلقها الثالثة علم أن الحياة الزوجية لا يمكن استمرارها واستقرارها.
فعلى الجميع لزوم حدود الله، والوقوف عندها؛ لأن الله يقول: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1] .
فلنتق الله في طلاقنا, لا من حيث الزمن, ولا من حيث العدد, ولا من حيث الإقدام عليه إلا بعد تعذر كل وسيلة يمكن أن نستعملها حتى لا نلجأ إلى الطلاق ولانجعله الحل لمشاكلنا.