أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والعون على كل خير، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً [الطلاق:1] .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد: أيها المسلمون، يقول الله جل وعلا: وَيَئَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف:19-22] .
أيها المسلم يبين لنا ربنا جل وعلا أنه أسكن أبانا آدم وزوجته الجنة, وأباح لهما كل شيء فيها إلا شجرة واحدة عينها لهما ونهاهما عن قربانها, ولا تأكلا من هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، هذه شجرة واحدة منع آدم وزوجته من الأكل منها وسائر ثمار الجنة أبيحت لآدم وزوجته, ماذا عمل عدو الله إبليس؟ وسوس لهما وقال لهما: إن ربكما ما نهاكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، فإذا أكلتما منها كنتما من الخالدين دائماً, وقاسمهما أقسم لهما أنه ناصح فدلاهما بغرور.
أيها الإخوة، هكذا الشيطان يعمل مع بني آدم يظهر لهم الشر والفساد والبلاء في قالب الإصلاح والمصلحة, يزين لهم الباطل حتى يظنوه خيراً, ويقبح لهم الخير حتى يظنوه باطلاً، وهكذا أعوان الشياطين من شياطين الإنس الذين يسعون في الأرض فساداً, يغوون الجهال ويغرونهم ويصدوهم عن طريق الله المستقيم, يرونهم الباطل في قالب الحق, والشر في قالب الخير, ليظن الجاهل أن أولئك محقون, والله يعلم أنهم مفسدون.
أيها المسلم، كم من عدو متربص بالأمة ساعٍ في الأرض فساداً، لكنه يلبس لبوساً لأجل أغراضه ومطامعه, فقد يكون في قلبه مرض ونفاق وحقد على الإسلام وأهله، لا يروي غليله, ولا يطفئ حقده إلا أن يرى بين المسلمين شراً, فهو والعياذ لله داعية ضلال وساعٍ في الأرض فساداً, يأتي لجاهل ولمراهق ولغمر لا يفهم, فيحسن له الباطل, يحسن له قتل الأبرياء وسفك الدماء وإخلال الأمن, يقول هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أقتل, ودمر, واختر من تقتله وأنت آمر بمعروف أوناهٍ عن منكر، وقد يأتيه يوم ويقول له: هذا من كراهية أعداء الله وموالاة أولياء الله, وقد يأتيه في صور شتى، لكن يعلم الله منه أن قصده الفساد والإثم، يقول لهم: افعلوا وأقدموا على إجرامكم فإنكم في الجنة؛ لأنكم قتلتم الكفار والمشركين, فأهل الإسلام المصلين الصائمين يراهم هذا الخبيث يراهم مجرمين يجب قتلهم واستئصالهم.
هكذا يحسن أعداء الإسلام لمن لا بصيرة عنده, ولا علم عنده يحسن له الشر كما حسن الشيطان لأبينا آدم الأكل من تلكم الشجرة حتى أهبطه الله إلى الأرض, لكن الله تدارك أبينا آدم فتاب عليه وعفا عنه.
أيها الشاب المسلم، فاحذر دعاة السوء، احذر دعاة السوء ومجالس السوء وأرباب السوء مهما أظهروا لك من الغيرة على الدين, ومهما قالوا لك من الدفاع عن الدين, إذا كانوا يأمرونك بقتل المسلمين وسفك دمائهم وترويعهم والإخلال بأمنهم فاعلم أنهم مجرمون ومفسدون, المصلح لا يدعو إلى فتنة, ولا يؤيد الفتنة, وإنما يدعو إلى الخير بالطرق الشرعية.
أما سفك الدماء وقتل الأبرياء، سفك الدماء تدمير الأمة, ارباكها، فليس هذا من الدين أبداً، هذا كله من تزيين الشيطان, لا تطع أولئك, ولا تنقد لهم, ولا تطعهم فيما يقولون وما يبغضون, إنهم أعداؤك وأعداء دينك وإن تظاهروا بما يتظاهرون به, فلو كان في القلب إيمان وإسلام لاحترموا الدماء والأموال والأعراض، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، وروى في الحديث: (( لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ) ) (6) [1] .
فيا أخي المسلم، كيف يستبيح إنسان قتل رجل أمن مثلاً, هذا رجل يدافع عن دين ثم عن أمته فلماذا تسفك دمه؟ لماذا؟ لأن هذا الذي خطط لهذا يرى أولئك كفاراً دماؤهم حلال, وقتلهم واجب, كل هذه من المغالطات كل هذه من دعاة الفتن, من دعاة الضلال, من أقوام امتلأت قلوبهم مرضاً وحقداً على الإسلام وأهله.
فاتقوا الله يا شباب الإسلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وإلى دينه أمر مطلوب شرعاً, لكن بالطرق الشرعية المأذون بها, بالأمر بالمعروف في حدوده, والدعوة إلى الله بوسائلها, إما أن نتخذ من سفك الدماء وترويع الآمنين أن نتخذها وسيلة وندعي أن هذا دعوة وأن هذا إصلاح هذا ليس بالإصلاح أبداً, وهذا مناف للإصلاح, وبعيد كل البعد عنه.
فلنتق الله في أنفسنا، ولنتق الله في أمننا وأمن مجتمعنا ولنحرص على التناصح والتعاون فيما بيننا في سبيل ما يقلص هذه الجريمة, ويقطع دابرها, فكل منا مسؤول عن واجبه نحو أمته, والنبي يقول لنا: (( لعن الله من آوى محدثاً ) ) (7) [2] . فالمحدث الفاجر الظالم لا يجوز إيواؤه ولا يجوز التستر عليه؛ لأنه والعياذ بالله إذا ترك واستمر على إجرامه وفساده فضرره ليس على فئة معينة, ضرره عليك وعلى فلان وعلى أهلك وعلى مجتمعك.
فلنتق الله في أنفسنا ولا نطع أعداءنا ولا نطع من في قلبه مرض على الإسلام وأهله فأمننا نحن جميعاً مسؤولون عنه, نرجوا الله أن يحفظنا من كل سوء, وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن ذنوبنا أن لا تكون جنداً علينا, نسأل الله السلامة والثبات, ولا شك أن ما أصاب العباد فبذنوبهم وما ربك بظلام للعبيد.
(1) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب: في كراهية الطلاق (2178) ، وابن ماجه في الطلاق، باب: حدثنا سويد بن سعيد (2018) من حديث ابن عمر، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (472) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (21874) ، وأبو داود في الطلاق، باب: في الخلع (2226) ، والترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في المختلعات (1187) ، وقال: حديث حسن، وابن ماجه في الطلاق، باب: كراهية الخلع للمرأة (2055) ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1672) .
(3) أخرجه النسائي في الطلاق، باب: الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ (3401) من حديث محمود بن لبيد. قال ابن حجر:"رجاله ثقات لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ولم يثبت له من سماع وإن ذكره بعضهم من الصحابة فلأجل الرؤية، فتح الباري (9/362) ."