فهرس الكتاب

الصفحة 8116 من 9994

وناداه بالنبوة فقال: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ) )ونعته بالرسالة فقال: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) )وشرفه بالعبودية فقال: (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ) )، وشهد له بالقيام بها فقال: (( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ) ).

شرح الله له صدره، فقال: (( ألم نشرح لك صدرك ) )ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وأتمّ أمره، وأكمل دينه، وبرّ يمينه. ما ودّعه ربه وما قلاه، بل وجده ضالاً فهداه، وفقيرًا فأغناه، ويتيمًا فآواه. وخيّره الله بين الخلد في الدنيا ولقاه، فاختار لقاء مولاه، وقال: [بل الرفيق الأعلى] .

واليومَ يأتي أقوام ما عرفوا الله طرفةَ عين، يعيشون في ظلمات الشهوات، أهدافهم وأفكارهم واعتقاداتهم منحطّة، يحاولون النيلَ من هذه المنارة الشامخة. تأتي صحف دول الإتحاد الأوربي لتستهزئ بأعظم البشر ، لتفك الحصار الاقتصادي والمقاطعة الشعبية التي فرضتها الشعوب الإسلامية.. لم يكن أحدٌ يتصور أن مؤامرة كفار قريش لقتل النبي صلى الله عليه وسلم تعود مرة أخرى بهذه السرعة وبالمنوال نفسه وعلى أيدي الغربيين أعداء المسلمين، حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل. عندما ابتدر أبو جهل تلك الفكرة الآثمة فقال: (نأتي من كل قبيلة برجل لقتله حتى يتفرق دمه بين القبائل) فما كان من إبليس إلا أن بارك الفكرة وقال: هذا هو الرأي ، وكان حاضراً في دار الندوة في صورة شيخٍ من نجد.

فتآمروا قديماً على قتله -بأبي وأمي هو- صلى الله عليه وسلم وفي الأسبوع الماضي وبعدما تحمّلت الدنمرك كِبرَ سبّ النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الوقفة المشرفة منكم ومن المخلصين من أبناءِ هذه الأمة المِعطاءة. ضد هذه الجريمة النكراء، وعندما بدأت الدنمرك تترنح تحت وطأة آثار المقاطعة الاقتصادية الشجاعة من لدن المسلمين، هنا هبت دولُ الغرب في وقفة آثمة مع هذه الدولة الباغية من أجل تشتيت تلك المقاطعة، (حتى يتفرق أثرها في تلك الدول بدل دولة واحدة) ، لكن نجح المسلمون مرة أخرى، عندما استمعوا لتوجيهات العلماء بتركيز المقاطعة على الدنمرك عاملين بقوله تعالى: (( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ).

فالدنمرك هي التي تولت كبر الجريمة، والبادي أظلم، وهي التي سنت تلك السنة السيئة، فعليها وزرها ووزر من عمل بها، فاجعلوها عبرة لمعتبر. وابشروا فقد أغلقت بعضُ مصانعها، وسرح كثيرٌ من العاملين فيها. وكثر المحتجين والمتظاهرين في الدنمرك على حكومتها المتغطرسة، ولعل هذا تحقيقاً لقول الباري سبحانه: (( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) )

وسبيل النجاة يكمن في قوله جل وعلا: (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ).

فينبغي علينا الألفاف حول أولي الأمر من العلماء والأمراء. وهؤلاء سينتقم الله منهم لأنه قال في كتابه: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) ).

ألم يبلغكم خبرُ أذى عتبة بن أبي لهب وسُخرِيته من الحبيب فقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك ) )فكان في بعض أسفاره استيقظ على أسدٍ مفترس قد نشب مخالبه في صدغيه، فجعل يصرخ ويقول: يا قوم، قتلتني دعوة محمد، لكن ذلك لم يغن عنه شيئا.

مزّق كسرى رسالتَه، صلى الله عليه وسلم فدعا عليه صلى الله عليه وسلم فقتله الله في وقته، ومزّق ملكه كلّ ممزّق، فلم يبق للأكاسرة ملك بعده، تحقيقًا لوعد الله له، فكل من أبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينَه وأثره.

ويقول سبحانه: (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ).

قال ابن سعدي رحمه الله في تفسيرها:"وقد فعل تعالى، فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شرّ قِتلة"اهـ.

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس t في قوله: (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) )قال: المستهزئون، هم: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أرني إياهم، فأراه كلّ واحد منهم، وجبريل يشير إلى كلّ واحد منهم في موضع من جسده ويقول: كَفَيتُكَهُ، فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يُعِدُ نبلاً فأصاب أكحله فقطعها فمات، وأما الأسود بن المطلب فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بنيّ، ألا تدفعون عني؟! قد هلكت وطُعنت بالشوك في عينيّ، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه ، فمات منه، وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته. فصدق الله، إذ قال: (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله .. قال أصدق القائلين: (( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ) )، ورُبَّ أذِيّةٍ نافعة؛ قال تعالى: (( عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )فإنّ ما وقع من الاستهزاء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض صّحف دول الإتحاد الأوربي وتمادي سفهائِهم في غَيِّهم وتغافُلِ عُقَلائهم عن الأخذ على أيديهم أثار غيرة المسلمين للهِ ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأيقظهم من سباتهم، وبصّرهم بمكر أعدائهم ؛ إنّها صفعة مؤلمة ولكنها موقظة.. ويبقى سؤالٌ مٌلح .. ما موقِفنا نحن؟ يجب أن نسأل أنفسنا: هل أحببنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبّا حقيقياً صادقا، أم أن الأمر مجرد ادعاء؟! يقول صلى الله عليه وسلم: (( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ).

فهل قدمنا طاعته على ما تهواها أنفسنا وما تطلبه نساؤنا وأولادنا؟ يقول البارئ سبحانه: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ).

وقال سبحانه: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ).

فهل عملنا بأوامره، وانتهينا عن نواهيه ؟ هل نوقّره؟! هل عملنا على نشر سنته؟! هل نتأدب بآدابه؟! هل نقتدي بهديه في البيوت، وفي الأسواق، وفي التعامل مع الأقارب والجيران والزملاء؟! هل نحن نحب الله ونحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن الأمر مجرّد ادّعاء؟! تأملوا قوله تعالى: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ).

وتدبروا قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت