فهرس الكتاب

الصفحة 8059 من 9994

أيها المسلمون: والإسلام عندما أوصى المسلم بالعزة هداه إلى أسبابها ويسر له وسائلها، وأفهمه أن الكرامة في التقوى، وأن السمو في العبادة، وأن العزة في طاعة الله، والمؤمن الذي يعلم ذلك ويعمل به يجب أن يأخذ نصيبه كاملاً في الحياة الرفيعة المجيدة، فإذا اعتدى عليه أحد أو طمع فيه باغ كان انتصابه للدفاع عن نفسه جهاداً في سبيل الله، وموت المسلم دون حقه شهادة، ومن عزة المؤمن ألا يكون مستباحاً لكل طامع أو غرضاً لكل هاجم، بل عليه أن يستميت دون نفسه وعرضه وماله وأهله، وإن أريقت في ذلك دماء فإن هذا رخيص لصيانة الشرف الرفيع.

لقد أخبر الله أن العزة له جميعاً، وأن من أسبابها ووسائلها القول الطيب والعمل الصالح، (( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) ) (فاطر:10) .

والعزة حق يقابله واجب، وارتكاب الآثام والتلطخ بالمعاصي هو سبيل السقوط والإهانة ومزلقة إلى خزي الفرد والجماعة، وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) (يونس:27) .

والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلى بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، حقيقة يستعلى بها على نفسه أوب ما يستعلى، يستعلى بها على شهواته المذلة ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس، ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تذل الناسَ شهواتهُم ورغباتهم ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان، وهذه هي العزة الحقيقة ذات القوة والاستعلاء والسلطان.

إن من أسباب العزة العفو والتواضع، ففي الحديث وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ومن تواضع لله رفعه، ومن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه، لكن من خلقه أيضاً أن يؤدب المجترئين عليه حتى يفل حدهم ويكسر شوكتهم، (( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ) ) (الشورى:39) .

وإن إحياء خلق الانتصار لازم ومهم لئلا تعتاد الأمة قبول الذل، لا من فاسق يقهرها ولا من كافر ينحرها، لأن الأمة التي تعتاد السكينة أمام الظلم، والوداعة أمام الخسف والعسف تفقد دافعية الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وتنعدم فيها روح الجهاد.

إن الناس يذلون أنفسهم، يقبلون الدنية في دينهم ودنياهم لواحد من أمرين: إما أن يصابوا في أرزاقهم أو في آجالهم، ولقد قطع الله سلطان البشر على الأرزاق والآجال جميعا، (( أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ) ) (الملك:20) .

ذلك هو التوحيد الكامل، وذلكم ما يجب أن يستشفي به أولئك الضعاف المساكين، الذين يريقون ماء وجوههم في التسكع على الأبواب والتمسح بالثياب، والزلفى على الأعتاب.

وإن القضاء أخي المسلم يصيب العزيز وله أجره، ويصيب الذليل وعليه وزره، فكن عزيزاً مادام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه غفور رحيم.

الخطبة الثانية

أما بعد:

إذا علمنا أن العزة مبدأ إسلامي، وخلق رفيع، فالذي يجب أن نعلمه أن العزة كلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، ليطلبها عند الله الذي يملك وحده كل العزة ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم وهم مثله طلاب محاويج ضعاف.

إن العزيز في الدنيا والآخرة هو من أعزه الله، (( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (آل عمران:26) .

وبذلك تعلم ضلال من بحث عن العزة عند غير الله تعالى، وبغير طاعته والتزام نهج المؤمنين فعادى رب العزة وشريعته، وحارب حزبه المؤمنين، ووالى أعداء الله من المشركين واليهود والنصارى وغيرهم، ظناً منه أن هذا هو سبيل العزة وطريقها، (( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ) ) (النساء:139) .

ومع عظم الطاعة تزداد العزة، فأعز الناس هم الأنبياء ثم الذين يلونهم من المؤمنين المتبعين لهم، وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين.

وإذا علمنا مكان العزة من الدين ومنزلتها في شريعة الإسلام، فإن من الواجب علينا أن نعلم أن من خوارمها الهزيمة النفسية، والاستسلام للواقع، والرضا بحياة الذل والهوان، والانبهار بقوة الأعداء المادية وحضارتهم الزائفة.0

وإن مما يتنافى مع العزة: الخجل من الانتماء إلى الإسلام، والحياء من إظهار شعائر الدين وأحكامه0

وإن من خوارم العزة: التشبه بأعداء الله في طرائقهم وتقاليدهم، ونظم حياتهم، فمن تشبه بقوم فهو منهم0

ألا وإن مما يقدح في عزة المسلم أن يقدم التنازلات لخصوم الإسلام وأعداء الدعوة، والانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة ، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء، ولقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: (( وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ) ) (الإسراء:73) .

وأخيراً: أيها المسلمون: لابد أن نربي أنفسنا أولاً، ثم أبناءنا والأجيال القادمة على معاني العزة، وربطهم بأسبابها ومصدرها0

إن من الخلل في التربية أن ينشأ أفراد المجتمع المسلم أذلة مستهانين يستجدون أعداء الله، ويقفون بانبهار وإعجاب أمام حضارتهم الزائلة الزائفة 0

إن من واجب الآباء والمربين أن ينشئوا الأجيال على التخلق بعزة المسلم، من خلال ربطهم بالقدوات الحقيقية، بدءاً برسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي يمثل العزة الحقيقية بأجلى وأسمى صورها 0

ثم تربية النشء على قصص السابقين واللاحقين ممن رسموا معالم العزة بأقوالهم وأفعالهم، وتعليمهم البطولات والمواقف الخالدة في سماء العز والشرف0

وإن من الأمور المهمة التي يجب أن يهتم بها المربون تعميق روح الجهاد بضوابطه الشرعية في نفسية الأبناء، وترسيخ معاني العزم والمصابرة في أفكارهم وقلوبهم ومشاعرهم، وذلك من خلال إشعارهم الدائم أن تحقيق العزة الإسلامية لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، بأنواع الجهاد المالي والدعوي والتعليمي والقتالي، ويكون بخوض ميادين العمل والبناء، وترك البطالة والكسل، والإعراض عن حياة اللهو والترف، وإضاعة الأوقات بالسفاسف والتوافه، مع تذكيرهم بشكل دائم بمواقف أبناء السلف وصور من همم بعض شباب اليوم، ليتأسوا بهم ويمشوا على منوالهم 0

كما ينبغي أن يهتم المربون بتحذير البناء من الانسياق وراء التقليد الأعمى بلا روية ولا تفكير، لأن التقليد دليل الهزيمة الروحية والنفسية، وعنوان ذوبان الشخصية، ولما في التقليد من تحطيم لشخصية المسلم وتمييع لأخلاقه وقتل لرجولته 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت