لقد كرمك الله يوم أن جعلك شهيداً على الناس يوم القيامة، (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ) (البقرة:143) .
لقد كرمك الله يوم أن عظم حرمتك وصان دمك، (( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) ) (النساء:93) .
ولزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم، ولحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة.
لقد كرمك الله يوم أن هداك للحنيفية السمحاء والدين الأكمل، الدين الذي يجازي على القليل كثيراً، ويتناسق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، (( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ) (الأنعام:160) .
كم أنت عظيم أيها المسلم، وكم أنت عزيز لو عرفت قدرك واتصلت ممن يعز ويذل ويخفض ويرفع.
أنتم أيها المسلون الأعلون على كل الأمم .
عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وغيركم يسجد لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه، وشريعتكم أعلى، فأنتم تسيرون على شريعة الله وغيركم يسير على شرائع من صنع خلق الله، ودوركم الأعلى فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها، الهداة لهذه البشرية كلها، وغيركم شارد عن المنهج ضال عن الطريق، ومكانكم في الأرض أعلى، فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها، وغيركم إلى الفناء والنسيان صائرون، فإن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون، وإن كنتم مؤمنين حقاً فلا تهنوا ولا تحزنوا، ( فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص) .
أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، فلماذا الوهن والضعف وتقديم التنازلات والظهور أمام العالم بمظهر المنهزم المتخاذل .
ما بال هذه الأمة قد نكست أعلامها، وهزل جسمها، وأفلت الزمام من يدها، هل انقطعت الصلة بينها وبين سلفها وماضيها المشرق، أم أنها هجرت أسباب العزة وعوامل النصر.
أجل حينما انحرفت الأمة عن طريق ربها وتحكيم شرعه في حياتها أصبحت أذل وأضعف أمة، لقد ظهرت النعرات الطائفية والعصبيات القبلية والنزعات العرقية، واعتزوا بغير الله، وافتخروا بالولاء للشرق والغرب، وهجروا كتاب الله المنقذ، وسنة النبي الهادي، فضرب الله عليهم الذل والهوان، فكان أن صاروا كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن: قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ).
يوم أن كانت الأمة تفخر بدينها، وتعتز بإيمانها، وتربط نفسها بقوة الله التي لا تغلب.
ويوم أن كانت الأمة ترفع راية الإسلام وتحكم القرآن، وتعلي راية الجهاد، يومها كانت للمسلمين مواقف في العزة، كانت نبراساً لمن ينشد العز والقوة.
خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعه أبو عبيدة ، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة، يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
في زمن العزة والقوة يدخل ربعي بن عامر إلى إيوان كسرى، معتمداً على رمحه، مخرقاً به السجاد والبسط، ويقف في عزة وشموخ قائلاً: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
في زمن العز والشموخ، وحتى في أحلك الظروف وأقسى الأحوال، يمارس المسلمون سياسة الحزم والقوة، ويقفون بكل عزة وإباء في مواجهة أي دعوة للتنازلات، واستمع إلى هذا الموقف:
في عزوة الأحزاب حيث زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن المؤمنون بالله الظنونا، وابتلوا وزلزلوا زلزالاً شديداً في هذه الظروف القاسية الحرجة، فكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسيلة يخفف فيها من محنة المسلمين، فأرسل إلى عينية بن حصن وهو من الأحزاب قائلاً: أرأيت إن جعلت لكم ثلث تمر الأنصار، أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك فقالا: يا رسول الله: أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به أم شيئاً تصنعه لنا، قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فقالا: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعاً، أ فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
الله أكبر: هم الرجال وعيب أن يقال لمن لم يكن مثلهم رجل.
إن إظهار اللين دائماً ليقال: إن المسلمون رحماء مسالمون، وإن التنازل عن المبادئ والثوابت ليقال: إنكم معتدلون وشريعتكم سمحة - ذلكم هو الفشل والضعف، وربما تفعل كلمة حازمة جازمة مالا تفعله السيوف، وربما ترعب العدو وتضع له حداً، ونحن اليوم نرى بعض المسلمين يطلقون التصريحات اللينة، فلا تزيدهم إلا ضعفاً، ولا تزيد أعداء الإسلام إلا صلفاً وغروراً واستمراراً في الإيذاء والاستعداء.
دين الإسلام يا مسلمون دين العزة، ولذا فقد حرم الإسلام على المسلم أن يهون أو يستذل أو يستضعف، ورمى في قلبه القلق والتبرم بكل وضع يخدش كرامته ويجرح مكانته.
والإسلام يدع المؤمن مستقراً في المكان الذي ينبت العز ويهب الحرية الكاملة، والمؤمن واجب عليه أن يوفر هذه المعاني في بيئته، فإن استحال عليه ذلك فليتحول عن دار الهوان، ولينشد الكرامة في أي مكان، (( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) (النحل:28) .
إن اعتزاز المسلم بنفسه ودينه وربه هو كبرياء إيمانه، وكبرياء الإيمان غير كبرياء الطغيان، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لسلطان أو يوضع في مكان، أو يكون ذنباً لإنسان، إنها كبرياء فيها الترفع على مغريات الأرض ومزاعم الناس وأباطيل الحياة، وفيها الانخفاض إلى خدمة المسلمين والتبسط معهم، واحترام الحق الذي يجمعه بهم، فيها إتيان البيوت من أبوابها، وطلب العظمة من أصدق سبلها.
العزة والإباء والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام وغرسها في أنحاء المجتمع، وتعهد ثمارها بما شرع من عقائد، وسن من تعاليم، وإليها يشير الفاروق عمر بقوله: أحب من الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول بملء فيه: لا.
إن التكبير الذي نصدح فيه على منابرنا ونردده في منابرنا، ونكرره في صلواتنا، هو إعلان بيقين لا يهتز ولا يزيغ، بأن كل متكبر بعد الله فهو صغير، وأن كل متعاظم بعد الله فهو حقير.