فهرس الكتاب

الصفحة 9660 من 9994

أيها المؤمنون، إن اللسان من نعم الله الجليلة التي امتن الله بها عليكم لتشكروه وتعبدوه قال تعالى: ?أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ? (2) وقال سبحانه: ?الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان? (3) فبه يتمايز الكفر من الإيمان، ويفترق أولياء الرحمن عن أولياء الشيطان؛ به يبلغ العبد وارف الجنان وبه يهوي في دركات النيران ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) ) (4) وفي رواية البخاري: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات في الجنة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم ) ) (5) فاتقوا الله عباد الله واحذروا ألسنتكم فإنها من أعظم ما يوقعكم في أسباب الهلاك واحفظوها فإن حفظها من أسباب الفوز والنجاة فقد تكفل صلى الله عليه وسلم لمن حفظ لسانه أو صان منطقه بالجنة دار السلام ففي الصحيح من حديث سهل بن سعد قال: قال صلى الله عليه وسلم: (( من يضمن لي مابين لحييه ومابين رجليه أضمن له الجنة ) ) (6) وفي الترمذي أن معاذاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار فأخبره صلى الله عليه وسلم ببعض أبواب الخير وصنوف البر ثم قال صلى الله عليه وسلم: (( ألا أخبرك بملاك ذلك كله ) )قال معاذ: بلى يا رسول الله؛ فأخذ بلسان نفسه وقال: (( كف عليك هذا ) )فقلت: يا رسول الله ! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: (( ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ) (7) .

فاتقوا الله عباد الله واحفظوا ألسنتكم عن كل ما يغضب الله ويسخطه وقيدوها بلجام الشرع فإن حفظ اللسان وصيانته من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر قال صلى الله عليه وسلم: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) ) (8) .

عباد الله إن الناظر في حال أكثر الناس اليوم لاسيما أوقات الفراغ والاجتماعات يرى أمراً عجباً، وخطباً جللاً، يرى الناس، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، شبابهم وشيبهم، قد أطلقوا ألسنتهم، وتساهلوا في الاحتراز عن آفاتها وغوائلها يرى خوضاً في الباطل، وتحدثاً بالمعاصي، وترويجاً للمنكرات، يرى جهراً بالسوء من القول، فيرى الكذب والغيبة والنميمة، ويرى شهادة الزور والفاحش من القول يرى السب واللعن يرى اللغو والتشاغل بما يضر ولا يفيد كأننا لم نسمع قول الله تعالى: ?مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ? (9) وكأن الله تعالى لم يقل: ? سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا? (10) .

عباد الله هذه آفات خطيرة وأمراض فتاكة تورط فيها كثيرٌ من الناس إلا أن أخطرها جرماً وأكثرها انتشاراً وأصعبها علاجاً ذلك الداء الدوي الذي يهدم المجتمع ويفكك بنيانه ويقوض عرا التواصل فيه ويقصم أواصر الحب والإخاء فيوغر الصدور ويشحن النفوس ويفسد المودة ويبذر بذور العداء، ذلك الخلق المنحرف الدنيء الذي يبث الضغائن ويربي الأحقاد ويشيع الفاحشة والفساد بين المؤمنين أتدرون ما هي تلك الآفة وماهو ذلك البلاء أيها الإخوان؟

إنها الغيبة التي نطق القرآن العظيم بقبحها وتحريمها قال الله تعالى: ?وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ? (11) وقد نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً وحذر منها تحذيراً عظيماً فقال صلى الله عليه وسلم: (( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ) (12) رواه مسلم، وروى أحمد وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض الرجل المسلم ) ) (13) والحديث لا بأس به.

أيها المؤمنون إن الغيبة جرمٌ كبير استهان به أكثر الناس وإنها من أربى الربا وأعظم الفجور.

أيها المؤمنون، إن الله تعالى أعد للوالغين في أعراض المسلمين عذاباً شديداً ونكالاً عظيماً ففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل! فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) ) (14) فاتقوا الله عباد الله فإن الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب وعظائم الآثام. أيها المؤمنون، احفظوا ألسنتكم من الغيبة ومن كل آفة مهلكة فكم من إنسان جرد لسانه مقراضاً للأعراض بكلمات تنضح فحشاً وقبحاً وألفاظ تنهش الأعراض نهشاً إسراف في قبيح القول وسيئه تجن على العباد وانتهاك لحرماتهم همز ولمز حط وتنقيص فهذا طويل، وذاك قصير، وهذا أحمق، وذاك غبي وهذا كذا وهذا كذا. ففي المجلس الواحد تسمع من الوقيعة في الخلق والغيبة للناس ما يقلق النفس السوية، ويفسد الطوية، ويعكر القلب السليم، ويؤذي عباد الله المؤمنين فإنا لله وإنا إليه راجعون.

استهتار بالخلق واستخفاف بالحرمات سفه في العقل وضلال في الدين فإن الكلمة الواحدة من الغيبة لو مزجت أي خلطت بماء البحر لمزجته أي لغيرت لونه فما بالكم بالمجالس الطوال والكلمات العراض التي يتفوه بها هؤلاء ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا تعني أنها قصيرة فقال: (( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) ) (15) .

فاحذروا أيها المؤمنون. . . احذروا هذه المجالس فإنها مجالس شر وبلاء تؤكل فيها لحوم المؤمنين وتنتهك فيها حرماتهم وتهدر أعراضهم فهي من أسباب العطب وموارد الهلاك.

والواجب على من جلس في هذه المجالس الإنكار على أهلها فإن في ذلك خيراً عظيماً، فيه القيام بما أوجب الله تعالى من إنكار المنكر حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ) ) (16) وفيه الذب عن أعراض المسلمين وفي ذلك عظيم الأجر وجزيل العطاء ففي المسند قال صلى الله عليه وسلم: (( من ذب عن عرض أخيه بالغيبة - أي في غيبته- كان حقاً على الله أن يعتقه من النار ) ) (17) فاتقوا الله أيها المؤمنون وذبوا عن أعراض إخوانكم مروا المغتاب المتهوك بالمعروف وانهوه عن المنكر فإن لم تستطيعوا الإنكار عليه فلا يجوز لكم البقاء معه وهو على هذه الحال من أكل لحوم المسلمين فقوموا عنه حتى يخوض في حديث غيره.

الخطبة الثانية

أما بعد. .

اتقوا الله عباد الله وذروا ظاهر الإثم وباطنه، ذروا الغيبة والسيئ من القول ـ أيها المؤمنون ـ فإنه مما يحبط الحسنات ويذهب المروءات ويولج العبد الدركات.

أيها المؤمنون: إن الغيبة التي نهى الله ورسوله عنها ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عنها فقال: (( ذكرك أخاك بما يكره ) ) (18) فهذا ميزان قسط؛ وضابط عدل لتمييز الغيبة عن غيرها فكل من ذكر غيره بما يكرهه في غيبته فقد وقع في الغيبة لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت