ذالكم ـ يا عباد الله ـ هو العُجب والمراد به رُؤيهُ العبادةِ واستعظامُها واستكثارُها والفخرُ بها قال أبن المبارك ـ رحمه الله ـ ( العُجب أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك( لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العُجب )
وقال بعضهم ( العُجب بالدين حمدُ النفس على ما عملت أو علمت ونسيانُ نعم الله عز وجل عليك بذلك ) .
أيها المسلمون: إِنَّ العُجبَ ورُؤيةَ العمل سوءُ أدبٍ مع الله جَلَّ جلاله ، وهو أيضاً
داءٌ يُعمي عن معرفهِ عُيوب النفس وأخطائِها ، ومحاسبتِها وإصلاحها وهو من الأمور المُهلكات قال صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيح: ( ثلاثٌ مهلكات: شحُّ مطاع ، وهوىً متبع ، وإعجابُ المرء بنفسه) [أخرجه الطبراني وغيره وحسنه الألباني في الصحيحة رقم 1802 ]
وقال ـ r ـ: ( لو لم تكونوا تذنبون ، خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب ) (2 ) وكما ورد ذَمُّ العُجب في السنة فقد جاء قبل ذلك في كتاب الله تعالى قال الله عز وجل {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} التوبة25
وأخرج البخاري ومسلم عن النبي ـ r ـ أنه قال: ( بينما رجلٌ يمشي في حُلّة تعجبه نفسهُ ، مُرَجِّل جمته إذ خسفَ الله به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ) .
أيها الإخوة: إنَّ الإنسان إذا أُعجِب لم يفطن لذنوبه ، وما فطن له من ذنوبه استصغره ، وما لم يفطن له لم ير أنه ينبغي أن يتوب منه ، وما أستصغره لم يزعجه فيقلع عنه ، فيقيمُ على ذنوبه فيهلك كما قال أبن مسعود رضي الله عنه:- ( الهلاك في اثنتين: القُنوط والعُجب ) ، وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ( بحسب المرء من العلم أن يخشى الله وبحسبه من الجهل أن يُعجب بعلمه ) .. وقال مطّرف بن عبدالله ـ رحمه الله ـ: ( لأنْ أبيت نائماً وأصبح نادماً أحبُ إلىَّ من أن أبيت قائماً فأصبح مُعجباً ) .. قال الحافظ الذهبي معلقاً ( صدق ـ لا أفلح والله من زكَّى نفسه أو أعجبته ) .
إنَّ الإعِجاب بالنفس وأعمال الإنسان وإنجازاته يُخفي المحاسن ، ويُظهر المساوي ويكسب المذام ، ويصد عن الفضائل ، المُعجبُ بنفسه محروماٌ من التوفيق في الأمور ، واقعٌ في بلاءٍ وشرور ، إذا توالت عليه المصائبُ والبلوى ، انهارَ ورجع القهقرى ، قد عرّض نفسه لمقت الناس له ، مع ما ينتظره من العقوبة العاجلة والآجلة ، تمقتُهُ الأنفس ، وتَنْفُرُ منه القلوب ، المُعجب لا يستمع لناصح ، ولا يستفيد من توجيه ، يَفْرح بِسماع عُيوب الآخرين ويتلذَّذُ برد مثالبِ المجتهدين ، يُقدِّّس شخصه ، ويُكثرُ الحديث عن نفسه ، ويُسرفُ في مَدحها وتزكيتها ، دأبه ترديدُ أمجاد ، والثناءُ على بطولاته نعوذ بالله من جُنون العمل والهوى .
إنَّ العُجب بالنفس ـ يا عباد الله ـ يوجد حين يجهل المرءُ حقيقهَ نفسه وأنه خلق من ماءٍ مهين وأنَّ ما به من نعمهٍ فهي من الله عز وجل فهو المنعم المتفضِّل جل وعلا .
إنَّ من أسباب العُجب: المدحُ والإطراءُ في الوجه فإِن المدحَ ذَبح .. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( إياكم والتمادحَ فإنه الذبح ) .. وفي صحيح مسلم عنه ـ r ـ أنه قال ( إذا رأيتم المداحين فاحثُوا في وجوههم التراب ) .. وفيه أيضاً أن رجلاً مدح آخر عند النبي r فقال له النبي ـ r ـ ( ويحك قطعتَ عُنُقَ صاحبك ، قطعت عُنُقَ صاحبك ) مراراً ـ إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلاناً والله حسيبهٌ ولا أزكي على الله أحداً ... ) إن العُجب ميراثُ رؤوس الشر والفساد كإبليسُ وفرعونُ وقارونُ قال أبن القيمِّ ـ رحمه الله ـ في زاد المعاد 2/475 ( وليِحذر كُلَّ الحذر من طُغيان"أنا و"لي"و"عندي") ."
فإنَّ هذه الألفاظ الثلاثة أبتلى بها إبليسُ وفرعون وقارون {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} ص76 لإبليس و { لِي مُلْكُ مِصْرَ} الزخرف51 لفرعون و {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} القصص78 لِقارون وأحسن ماوُضعت ( أنا ) في قول العبد: ( أنا العبدُ المذنب ، المُخطىء المستغفر ) و ( لي ) في قوله ( لي الذنب ولي لجرم ولي المسكنةُ وفي الفقر والذل ) في قوله ( اغفرلي جدِّي وهزلي وخطئِي وعمدي وكل ذلك عندي ) ( أ.هـ )
أيها الأخوةُ في الله: إذا أُعْجب المرءُ بعمله ، ضلَّ سعيه ، ( قيل لعائشة ـ رضي الله عنها ـ متى يكون الرجل مُسيئاً ؟ قالت: إذا ظنَّ أنه مُحسِن ) ولخُطُورة العُجب عَدّه العلماءُ قرينَ الرياء قال أبن تيميه ـ رحمه الله ـ ( والعُجبُ قرينُ الرياء لكنَّ الرياءَ من باب الإشراكِ بالخلق والعُجبَ من باب الإشراك بالنفس فالمُرائي لا يُحقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } الفاتحة5 والمُعجب لا يُحقِّق قولَه {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } الفاتحة5 فمنْ حقق( إياك نعبد ) خرج عن الرياء ، ومن حقق قوله ( إياك نستعين ) خرج عن الإعجاب .
عباد الله: علاجُ العُجب ميسرٌ ـ بحمد الله ـ وذلك بأن يُعظِّم العبد ـ ربه سبحانه ـ ويَقْدُرَهَ حَقَّ قدره ، ويقومَ بالعُبودية له ويتذكرَ أن الخير كَلُه بيديه ، والفضلُ منه عز وجل كما ينبغي أيضاً أن يَعرفَ المرءُ نفسَهُ وعيوبَها وأدوائها ثم يسعى في إصلاحها ومحاسبتها ـ قال الإمام الشافعي ـ عليه رحمه الله: ( إذا خِفتَ على عملك العُجب ، فأذكُر رِِضى مَنْ تطلب ، وفي أي نعيمٍ ترغَبْ ، ومن أي عِقابٍ ترهب ، فمنْ فكَّر في ذلك صَغُر عنده عملُهُ )
قال ـ النووي ـ رحمه الله ـ ( وطريقةُ نفي الإعِجاب أن يعلم أن العلم فضل من الله تعالى ، ومِنّةٌ عارية ، فإن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمَّى ، فينبغي أن لا يُعجب بشيء لم يخترعه وليس مالكاً له ، ولا على يقين من دوامه ) .
إنَّ من عرف نفسه زال عنه العُجب ومن تلمح خصال نفسه وذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير وهو من حال غيره في شك فالذي يخاف منه الإعجاب بالنفس ، ورؤية التقدم في أعمال الآخرة ، والمؤمن حقاً هو الذي لا يزال يحتقر نفسه وقد قيل لعمر بن عبد العزيز t ـ ( إِن متَّ ندفنُكَ في حجرة رسول الله r
فقال: ( لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أحبُ إليَّ من أن أرى نفسي أهلاً لذلك ) .
أيها المُعجبُ بنفسه: لقد تعرّضت لمقت الله وبغضَ الناس ، وَيْلَكَ أما تعلم ـ إن أُعجِبت بفضائلك أنك تنطوي على عيوبٍ وأخلاقٍ دنيئةٍ والعاقلُ مَنْ مَيَّزَ عُيوب نفسه فأصلحها ، وإن أُعجبتَ بآرائك فتفكر في سقطاتك ، واحفظها وإن أعُجبت بعلِمك فأعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله عز وجل ، فلا تقابلها بما يسخطه فلعله ينسيك هذا العلمُ بعلهٍ يمتحنُكَ بها ، فينتج من هذا نسيانُ ما علمت وحفظت ) وإن أعجبتك أموالك فتذَّكر أنَّ الله قادر في لحظة أن يُفْقِدَكَ جميعُ هذا المال فكم من غني أفتقر ، وكم من أثرياء تحولوا إلى مفلسين , وأصبحوا في السجون معسرين {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً } فاطر44 اللهم أعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا يا رب العالمين ، اللهم طهِّر قلوبنا في النِّفاق والكِبر والعُجب واجعلنا لك من المخلصين .
أقول هذا القول واستغفر الله في ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب.
الخطبة الثانية