فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 9994

هذه من أكبر الحوادث التي سبقت ميلاده صلى الله عليه وسلم ، إن لم تكن أكبرها وقد ذكرناها هنا لنبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد في ذلك العام الذي يسمى عام الفيل .ولينستفيد قبل كل شيء فائدة مهمة وهي أن من حكمة تعالى في كل أزمة ، وفي كل فترة تشتد وطأتها على حملة الرسالة ودعاة الحق وتتلبد سماؤها بغيوم الظلم فأنه سبحانه يخلق من المحنة منحة ، وأنه في الوقت الذي ينظر إليه إلى دينه ودعوته أنها قد محيت أو كادت ، يهيئ لها عوامل التجديد ، ويبعثها صلبة قوية من جديد، ففي العام الذي أراد فيه ركن الكفر وقوة الشر والشرك العظمى - في ذلك الزمان - أن يهدم بيت الله في أرضه ومهوى أفئة المؤمنين من خلقه ، ورمز العبادة والتوحيد في الأرض ، هيئ سبحانه في ذلك العام ميلاد خير البشر ومثبت قواعد التوحيد إلى يوم القيامة ، وأخرج إلى الكون من محا معالم الشرك والوثينية ، فنستفيد من هذه الحادثة وهذا التنسيق الإلهي دعوة لنا لأن نعيد النظر في تعاملات مع الأحداث ، ودعوة لكل من قد تسرب اليأس والقنوط إلى نفوسهم أن ينظروا في فعل الله وإرادته مع خلقه ، فإن له سبحانه من كل فعل حكمة وإرادة لا يجليها لوقتها إلا هو .

يوم الميلاد وحفر بئر زمزم:

قال ابن إسحاق: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل. من بيت هو أشرف البيوت في قريش وأنفسها ، وقد رأينا منزلة ومكانة جد النبي صلى عليه وسلم عبد المطلب فهو سيد قريش وشريفها ، سادن البيت وحارس الحرم والمدافع عنه والمحافظ على مصالحه ، ولأجل ذلك هيّأ الله له القيام بحفر بئر زمزم بعد أن دفنتها جرهم . وكان أول ما بدئ به عبد المطلب من حفرها ، أنه قال: إني لنائم في الحجر، إذ أتأتي آت فقال: احفر طيبة. قال قلت: وما طيبة ؟ قال: ثم ذهب عني . فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال: احفر برة . قال: فقلت: وما برة؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه ، فجاءني فقال: احفر المضنونة . قال: فقلت: وما المضنونة ؟ قال: ثم ذهب عني .فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر زمزم قال: قلت وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل. فلما بُيّن له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صُدِقَ غدا ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره ، إلى الحفر ، ووجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين إساف ونائلة . فجاء بالمعول، وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، وقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنيننا هذين اللذين ننحر عندهما ، فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عني حتى أحفر ،فو الله لأمضي لما أمرت به . فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر، وكفوا عنه، ولم يحفر إلا يسيرًا ، حتى بدا له طي البئر، فكبر وعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، وما تمادى به الحفر حتى وجد فيها غزالين من ذهب ، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة ،ووجد فيها أسيافًا قلعية وأدراعًا ،فنازعته قريش ذلك، ولجأوا إلى القداح ، لفصل النزاع ، وهو ما اقترحه عبد المطلب ، وكانت القسمة أن للكعبة قدحين وله قدحان ولقريش مثلها ، ثم ضربت القداح ، فخرج اللذان للكعبة على الغزالين ، وخرج اللذان لعبد المطلب على الأسياف والأدراع ، وتخلف قدحا قريش ، عند ذلك تجلت شخصية عبد المطلب وشرفه ونبل سريرته فلم تكن نفسه تتعلق بالحطام الزائل ولذلك ضرب الأسياف بابًا للكعبة ،وضرب في الباب الغزالين من الذهب ، فكان أول ذهب حلي به الكعبة فيما يزعمون ، ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج.

ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده:

قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب بن هاشم -فيما يزعمون والله أعلم- قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر ، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة . فلما توافى بنوه عشرة ،وعرف أنهم سيمنعونه ، جمعهم ، ثم أخبرهم بنذره ،ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك فأطاعوه ، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحًا يكتب فيه اسمه ثم ائتوني به . ففعلوا ثم أتوه ، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة ، وكان هبل على بئر في جوف الكعبة فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه ، وأخبره بنذره الذي نذر. وكان عبد الله فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه ، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى . وعبد الله هو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أخذ صاحب القداح ليضرب بها ، قام عبد المطلب عند هبل يدعوا الله ، ثم ضرب صاحب القداح ، فخرج القداح على عبد الله ، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة ، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ، فقامت قريش من أنديتها فقالوا: ما ذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه . لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ؟!

وقال المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم -وكان عبد الله ابن أخت القوم - والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع ، فسلها ، ثم أنت على رأس أمرك ، إن أمرتك بذبحه ذبحته ، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته ، فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها في خيبر فركبوا حتى جاءوها فسألوها فقالت لهم: فارجعوا إلى بلادكم ، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرًا من الإبل ، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح ، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ،ونجى صاحبكم ، فخرجوا حتى قدموا مكة ، فلما أجمعوا على ذلك ثم قربوا عبد الله وعشرًا من الإبل فخرج القدح على عبد الله وما زالوا يزيدون عشرًا حتى وصلوا إلى مائة من الإبل فخرج القدح على الإبل فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب ، فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات فخرج القدح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع.

قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذًا بيد عبد الله فخرج به حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا فكان رسول الله أوسط قومه نسبًا ، وأعظمهم شرفًا من قبل أبيه وأمه صلى الله عليه وسلم ويزعمون فيما يتحدث الناس والله أعلم أن آمة ابنة وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث: أنها أتيت، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض، فقولي: أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه: محمدًا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام . ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هلك وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت