فهرس الكتاب

الصفحة 2181 من 9994

وهذا الجمع - لاشك - أنه يحتاج إلى تأمل ، إنه حينئذ يصور لنا شمول هذا الإيمان وعمقه وانتظامه للإنسان في كل خصائصه وانعكاسه من بعد على كل تفاعلاته وأحواله ؛ فإن هذا الإيمان هو اعتقاد القلب ، وهو خفقة القلب بالمشاعر والعواطف ، وهو كذلك كلمات اللسان وضبطها وهو كذلك خواطر العقل والفكر ، وهو كذلك ممارسات الجوارح كلها .

وإذا أردنا أن نعمق هذا المعنى ونوضحه ، فالأمثلة فيه كثيرة ، لكنني أشير إلى المعنى وأضرب مثالاً واحداً فنقول:

إن الإيمان صبغة جديدة ينصبغ بها صاحبها فتكون له صورة وهوية تنقض كل ما سبقها ، وتخالف كل ما يعارضها ، وتنشئه نشأة جديدة ، قاعدتها وأساسها التوحيد والإيمان ولا إله إلا الله محمد رسول الله ، فيختلف حينئذ عن كل الناس في سائر أحواله .. في أقواله وكلماته .. في آماله وطموحاته .. في أعماله وأفعاله .. في علاقاته وصلاته .. في ولائه وبرائه .. في محبته وبغضه .. في كل شيء ؛ لأن هذا الإيمان يغير فيه إذا كان صادقاً وحقيقياً كل شيء ويجعله منضبطا بهذا الإيمان ، ومنه ينطلق وإليه يرجع ، وفي ضوءه يقيس ، وعلى هداه يسير ، فيحكم الإيمان حينئذ كل شيء في حياته بدءاً من داخله ، وانتهاءً بأعماله وانتهاءً بعلاقاته كذلك .

وهذا مثالٌ نضربه من القرآن ، قصه الله - عز وجل - علينا في قصة موسى - عليه السلام - وما كان مع بني إسرائيل ، والقصة باختصار شديد تعرفون كثيرا من تفاصيلها نقف فيها عند المواجهة التي كانت بين موسى داعية الإيمان وفرعون داعية الكفر والطغيان استعان فرعون بالسحرة وأراد أن يكونوا وسيلة له لإظهار الحق وإطفاء نوره وتشويه صورته وصرف الناس وردهم عنه فقال للسحرة يوم جاء بهم وأرادهم أن يقوموا بهذه المهمة نريد أن ننظر إلى هؤلاء السحرة صورتهم أفكارهم أقوالهم قبل وبعد الحدث الذي وقع لننظر فعلا إلى ما هو التغير لندرك به حقيقة الإيمان جاء السحرة إلى فرعون أول شيء قالوه وأول خاطر خطر لهم وأول أمل تعلقت به نفوسهم. { أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } [ الشعراء: 41] . ذلك كان مطلبهم ومطمحهم وهذا هو أملهم وأمنيتهم. { أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِين } [الشعراء: 41] .

لم يسألوا هل القضية حق أو باطل ؟ .. عدل أو ظلم ؟ هل تترتب عليها مفسدة أو مصلحة ؟ هل يتضرر بها أحد أو ينتفع بها أحد ؟ لم يكن ذلك يعنيهم في شيء لأنه ليست عندهم مبادئ ولا قيم ولا مرتكزات ولا معتقدات كانت أهواؤهم تسيرهم كان خضوعهم لفرعون وعبوديتهم وذلتهم له تسيرهم ولذلك قالوا هذا القول فقال لهم فرعون، { قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } [لأعراف:114] . سيزيدهم فوق العطاء المادي عطاء معنوياً بأن يكونوا من أصحابه وخلصائه والمقربين منه .

ثم وقعت الواقعة - كما نعلم - ألقوا عصيهم وحبالهم .. سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وكانوا هم صفوة السحرة وأعلم العلماء بالسحر ليس أحد فوقهم وليس أحد أقدر منهم عليه وفي لحظة واحدة وربما ثانية وحدة، { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } (الشعراء:45) ، مباشرة في هذه اللحظة عرف أولئك أن هذا ليس بسحر وأنها ليست قوة بشر أدركوا من واقع خبرتهم وعرفوا من حقيقة تجربتهم هذه الحقيقة فمباشرة وصفت آيات القرآن ما الذي وقع { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ , قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ , رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } [الشعراء 46 , 47 , 48 ] .

وذكر هارون هنا مثير للسؤال لمَ ذِكَروا هارون وهو لم يذكر في تلك القصة والمواجهة ، ولم يلق عصا مع موسى ، ولم يكن له في هذا شأن مذكور ؟ أرادوا أن يقولوا قد آمنا بالمعتقد والمبدأ لا بالصورة الظاهرة والعمل الملموس ، فنحن أدركنا الحقيقة التي وراء ذلك ، وأدركنا المفهوم الذي وراء ذلك، { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ , رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } [ الشعراء:47 , 48 ] .

نريد الآن لنقف لنرى كيف أصبحت مواقفهم ؟ كيف تغيرت كلماتهم ؟ ما هي الآن طموحاتهم وآمالهم ؟ فرعون كان مجرد ذكر اسمه تنخلع له القلوب ، وتصتك له الركب ، وتدور الأعين في محاجرها خوفاً وهلعاً .. هذا فرعون الذي يعرفون بطشه وجبروته وطغيانه قال: {فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى} [طه: 71 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت